وقوله : ( إنّ أخوفَ ) اسم تفضيل للمفعول كأعذر وأشهر ( ما أخاف عليكم خلّتان ) بفتح الخاء ، أي خصلتان .
قيل : هما أعظم مهالك الإنسان ، فلذلك كان الخوف منهما أشدّ وأزيد ، ولما كان عليه السلام والمتولّي لإصلاح حال الخلق في أمور معاشهم ومعادهم ، وكان صلاحهم منوطاً بهمّته العالية نسب الخوف عليهم إلى نفسه . « 1 » ( اتّباع الهوى ) . هو في الأصل العشق ، وإرادة النفس ، وقد شاع استعماله في ميل النفس ورغبتها في مستلذّاتها المتعلّقة بالدنيا .
( وطول الأمل ) .
في القاموس : « الأمل ، كجبل ونجم وشبر : الرجاء » ، « 2 » وشاع استعماله في تمنّى ما لا ينبغي ويضرّ بالآخرة وتذكّر الموت والتهيّئ لأسبابه .
( أمّا اتّباع الهوى فيصدّ ) بضمّ الصاد ، أي يصرف ويمنع ( عن الحقّ ) ؛ وهو ظاهر .
وقوله : ( فيُنسي الآخرة ) يحتمل كونه إفعالًا من النسأ بهمز اللام ، وهو التأخير ، أي يؤخّر أمر الآخرة والعمل لها . قال الجوهري : « نَسَأتُ الشيء نَسْئاً : أخّرته ، وكذلك أنسأته » ؛ « 3 » أو من النسيان بالكسر ، وهو خلاف الذكر والحفظ .
وقوله : ( قد ترحّلت مُدبِرة ) . الترحّل : الانتقال ، والإدبار : ضدّ الإقبال .
وتحقيق ذلك ما أفاده بعض الشارحين من أنّه إشارة إلى تقضّي الأحوال الحاضرة بالنسبة إلى كلّ شخص من صحّةٍ وشباب وجاهٍ ومالٍ وكلّ ما يكون سبباً لصلاح حاله ؛ فإنّ كلّ ذلك أجزاء الدُّنيا لدنوّها منه ، ولما كانت هذه الأمور أبداً في التغيّر والتقضّي المقتضي لمفارقته لها وبُعدها عنه شيئاً فشيئاً ، لا جرم حسن إطلاق اسم الترحّل والإدبار على تقضّيها وبُعدها استعارة تشبيهاً لها بالحيوان في إدبارها ، والغرض هو الحثّ على ترك الركون إليها والعكوف عليها وصرف العمر فيها . « 4 »
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 368 .
( 2 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 330 ( أمل ) .
( 3 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 76 ( نسأ ) .
( 4 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 369 .