أهله ، ويبقى عليه ما اكتسبوا من خير أو شرّ ، ثمّ علّل الأخذ أو الموعظة بقوله : ( فإنّ الدهر طويله قصير ) ؛ لسرعة انقضائه . « 1 » ( وقصيره طويل ) ؛ لإمكان تحصيل السعادات العظيمة الكثيرة الأبديّة في القليل منه .
وقيل : لطول الأمل فيه . « 2 » وقيل : لعلّ المراد أنّ طويله قصير في نفس الأمر لسرعة زواله ، ولأنّه الذي أنت فيه ، وقصيره طويل باعتبار طول الحساب والجزاء ، ولا يخفى لطف هذه الفقرة لإيهام حمل الشيء على ضدّه ظاهراً مع إفادة معنى لطيف ، والمقصود منها الترغيب على العمل للآخرة ، ورفض الركون إلى الدنيا وعيشها . « 3 » ( وكلّ شيء فان ) استئناف لبيان سابقه ؛ فإنّ من علم وتيقّن فناء كلّ شيء من الدهر لم يلتفت إليه أصلًا .
وقيل : هما مرفوعان على الابتداء والخبر ، معطوفان على محلّ اسم « إنّ » وخبرها ، كما في قولك : إنّ زيداً قائم وعمرو قاعد ، أو الأوّل منصوب والثاني مرفوع عطفاً على لفظ اسم « إنّ » وخبرها . « 4 » وقوله : ( فاعمل كأنّك ترى ثواب عملك . . . ) تفريع على ما ذكر من أخذ الموعظة ، وفناء كلّ شيء ؛ فإنّ العلم بذلك يقتضي الكدّ والاجتهاد في العمل الذي يرى بعين البصيرة ثوابه ، ويتيقّن بحصوله ، وهو العمل الخالص من شوب الرياء والسمعة ، وتلك الرويّة ملزوم لتعلّق الطمع في الآخرة قطعاً .
( فإنّ ما بقي من الدنيا كما وَلّى منها ) . يقال : ولّى تولية ، إذا أدبر .
قيل : كأنّه تعليل لقوله : « وكلّ شيء فان » ، وإشارة إلى أنّ الدهر يجري بالباقين كجَريه بالماضين ، ويذهب دهر الباقين معهم كما ذهب دهر الماضين معهم ، ويكون آخره كأوّله ؛ إذ أموره وأطواره متشابهة ، وأفعاله وآثاره متناسبة ، وطبيعته التي يعامل الناس بها قديماً وحديثاً متعاضدة يتبع بعضها بعضاً ، وفيه تنبيه للسامعين ليتذكّروا أنّهم أمثال الماضين ، وأنّهم لاحقون بهم ، وتحريك لهم على العمل لما بعد الموت والاستعداد له . « 5 »
هامش
( 1 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 333 .
( 2 ) . قاله المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي ، ج 26 ، ص 129 .
( 3 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 333 .
( 4 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 333 .
( 5 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 333 .