الدنيا وعدم اتّخاذها دار استيطان ، فأشار إلى الأوّل وهو توقّف هذا التصديق على تصوّر المحكوم به بقوله : ( كيف تعرف ) أي الخليقة ( فضلي عليها ) وتصدّق به ( وهي لا تنظر فيه ) أي في الفضل ، ولا تتصوّره ؛ لانتفاء التصديق بانتفاء التصوّر .
وأشار إلى الثاني بقوله : « تنظر فيه » ، أي في الفضل وتتصوّره .
( وهي لا تؤمن به ) أي لا تقرّ ، ولا تذعن بوجوده .
وأشار إلى الثالث بقوله : ( وكيف تؤمن به ، وهي لا ترجو ثواباً ) ؛ لأنّ الإقرار بوجود الفضل الذي من جملته الشرع يستلزم الرجاء بالثواب الموعود فيه ، وانتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم .
وأشار إلى الرابع بقوله : ( وكيف ترجو ثواباً ، وهي قد قنعت بالدنيا ) وغفلت عن الآخرة ( واتّخذتها مأوى ) أي مكان استقرار ودار استيطان . « 1 » ( وركنت إليها رُكون الظالمين ) .
قال الجوهري :
ركن إليه يركن ، وحكى أبو زيد : ركِن إليه - بالكسر - رُكوناً فيهما ، أي مال إليه وسكن .
وأمّا ما حكى أبو عمرو : رَكَن يركن ، بالفتح فيهما ، فإنّما هو على الجمع بين اللغتين . « 2 » انتهى .
وقيل في توجيه توقّف رجاء الثواب بعدم القناعة بالدنيا : إنّ الرجاء بالثواب يستلزم التمسّك بأسبابه ، والعمل للآخرة ، وعدم القناعة بالدنيا والركون إليها ، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم .
ويظهر من هذه المقدّمات أنّ القانع بالدنيا الغافل عن الآخرة مسلوب عنه جميع ما تقدّم ؛ لأنّ انتفاء الموقوف عليه والأسباب مستلزم لانتفاء الموقوف والمسبّبات ، وليس للدنيا وأهلها ذمّ أبلغ من هذا . « 3 » ( يا موسى ، نافس في الخير أهله ) .
المنافسة في الشيء : الرغبة فيه على وجه المباراة ، والمبالغة في الكرم .
هامش
( 1 ) . القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 330 و 331 .
( 2 ) . الصحاح ، ج 5 ، ص 2126 ( ركن ) .
( 3 ) . قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 331 .