وقال بعض الأعلام :
معنى قوله عليه السلام : « أن تتخيّل ذاته » ، أي كنه ذاته إن كان المراد بالتخيّل الارتسام في الخيال كما هو المصطلح ، والمراد بالتعليل في قوله عليه السلام : ( لامتناعها من الشبه « 1 » والتشاكل ) أنّ التخيّل إنّما يكون في المحسوسات والمادّيّات ، فلو كان قدسه تعالى متخيّلًا كان شبيهاً بها مشاكلًا لها مشتركاً معها في الصفات الإمكانيّة ، وهو متعال عن ذلك علوّاً كبيراً .
ولو كان المراد الارتسام في العقل كما هو الأظهر ، فالمراد أنّه تعالى لا يشبه شيئاً حتّى يكون له ما به الاشتراك وما به الامتياز حتّى يتصوّر بهما ، أو أنّه لا يشبه شيئاً من الصور الحاصلة في العقل ؛ لافتقارها إلى المحلّ ، وكون حصولها بعلّة ممكنة ، أو لأنّه إذا كان متعقّلًا كان في كونه متعقّلًا شبيهاً بما يتعقّل من الممكنات ، أو أنّه لابدّ من مناسبة بين العاقل والمعقول ؛ ليمكن التعقّل ، والمناسبة والمشابهة بينه وبين خلقه منتف رأساً . « 2 » وأقول : الشبه والشكل في أصل اللغة متقاربان .
قال الفيروزآبادي : « الشبه ، بالكسر وبالتحريك [ و ] كأمير : المثل » . « 3 » وقال : « الشكل : الشبه والمثل ، ويكسر ، وما يوافقك ويصلح لك » « 4 » انتهى .
وفي الاصطلاح : الشبه والشبيه في الكيف ، والمشاكلة : المناسبة في الشكل ، وهو الهيئة أو الصورة أو الحدّ أو الحدود بالمقدار . « 5 » والظاهر أنّ التعليل لمنع الأوهام وحجب العقول جميعاً ، والغرض أنّ ذلك المنع والحجب لامتناع ذاته تعالى عن أن يكون له شبيهاً أو مشاكل في التحليل والتوصيف والتصوير والتحيّز والحاجة والتكيّف والتشبّه بالخلق .
وبالجملة إدراك العقل والوهم كنه ذاته وحقيقة صفاته يستلزم مشابهته ومشاكلته تعالى بخلقه في الأمور المذكورة وما شاكلها ، وهي ممتنعة في حقّ خالقها وصانعها .
( بل هو الذي لا يتفاوت في ذاته ) .
هامش
( 1 ) . في الحاشية عن بعض النسخ : « التشبّه » .
( 2 ) . قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج 25 ، ص 36 .
( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 286 ( شبه ) .
( 4 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 401 ( شكل ) .
( 5 ) . راجع للمزيد : الفروق اللغويّة لأبي هلال العسكري ، ص 304 ( الفرق بين الشكل والشبه ) .