وفي بعض النسخ : « تجمعون » ، فالظاهر أنّه حينئذ حال عن ضميري الخطاب ، أي اجمعوا طاعة اللّه مع المجاملة بأن تعاشروهم ظاهراً ولا تتابعوهم في المعاصي ، بل تعملوا بطاعة ربّكم وبالتقيّة التي أمركم بها .
( وإيّاكم وسبَّ « 1 » أعداء اللّه ) يعني رؤساء الضلالة وتابعيهم .
قال الجوهري : « السبّ : الشتم ، وقد سبّه يسبّه وسبّه أيضاً بمعنى قطعه » . « 2 » ( حيث يَسمعونكم ) بتخفيف الميم من السماع ، فيدلّ على جواز الشتم حيث لا يسمعونه ، أو من الإسماع ، يقال : أسمعه ، أي شتمه .
ويحتمل كونه من التسميع بمعنى التشنيع أو التشهير ، أي لا تسبّوهم مع شتمهم أو تشنيعهم إيّاكم ، فكيف مع عدمه ؟ !
وقيل : المراد : إن شتموكم لا تسبّوا أئمّتهم ؛ فإنّهم يسبّون أئمّتكم ، بل سبّهم ينتهي إلى سبّ اللّه سبحانه ، كما أشار إليه بقوله :
« فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ »
إشارة إلى قوله عزّ وجلّ في سورة الأنعام :
« وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ » ؛
« 3 » قال البيضاوي :
العَدو : التجاوز عن الحقّ إلى الباطل ، و
« بِغَيْرِ عِلْمٍ »
، أي على جهالة باللّه وبما يجب أن يذكر به . وفيه دلالة على أنّ الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها ؛ فإنّ ما يؤدّي إلى الشرّ شرّ « 4 » . انتهى .
وقال الجوهري : « العَداء أيضاً : تجاوز الحدّ والظلم . يقال : عَدا عليه عَدواً وعُدُوّاً وعَداء ، ومنه قوله تعالى :
« فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ »
، وقرأ الحسن : عُدوّاً » . « 5 » وقال الفاضل الإسترآبادي :
هو أنّهم يسبّون من ربّاكم ومن علّمكم السبّ ، ومن المعلوم أنّ المربّي والمعلّم هو اللّه تعالى بواسطة النبيّ وآله عليهم السلام ، فينتهي سبّهم إلى اللّه من غير علمهم به . « 6 » وأقول : يفهم من قوله عليه السلام : ( وقد ينبغي لكم أن تعلموا حدّ سبّهم للّه كيف هو ) إلخ ، أنّ المراد بسبّهم للّه سبّ أوليائه ، والمراد بحدّ السبّ معناه ومفهومه .
هامش
( 1 ) . في الحاشية عن بعض النسخ : « أن تسبّوا » بدل « وسبّ » .
( 2 ) . الصحاح ، ج 1 ، ص 144 ( سبب ) .
( 3 ) . الأنعام ( 6 ) : 108 .
( 4 ) . تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 441 ( مع اختلاف يسير ) .
( 5 ) . الصحاح ، ج 6 ، ص 2420 ( عدا ) .
( 6 ) . نقل عنه المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج 11 ، ص 161 .