السجدة :
« وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ »
« 1 » :
فإن قلت : من أين صحّ تفسير الرجوع بالتوبة ولعلّ من اللَّه إرادة ، وإذا أراد اللَّه شيئاً كان ولم يمتنع ، وتوبتهم ممّا لا يكون ؛ ألا ترى أنّها لو كانت ممّا يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر ؟
قلت : إرادة اللَّه تتعلّق بأفعاله وأفعال عباده ، فإذا أراد شيئاً من أفعاله كان ولم يمتنع للاقتدار وخلوص الداعي ، وأمّا أفعال عباده فإمّا أن يريدها وهم مختارون لها ، أو مضطرّون إليها بقسره وإلجائه ، فإن أرادها وقد قسرهم ، فحكمها حكم أفعاله ، وإن أرادها على أن يختاروها وهو عالم أنّهم لا يختارونها ، لم يقدح ذلك في اقتداره ، كما لا يقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك وهو لا يختارها ؛ لأنّ اختياره لا يتعلّق بقدرتك ، وإذا لم يتعلّق بقدرتك لم يكن فقده دالّاً على عجزك . انتهى . « 2 »
وفيه : أنّه إن أراد بالاقتدار القدرة على أفعاله - كما يظهر من قياسه على « 3 » العبد - فهذا خارج عمّا فيه الكلام ، وإن أراد به ملك السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما ، فذلك يقدح في اقتداره البتّة ، كيف لا وقد تعلّقت باختيارهم إرادته ولم يقدر على تصرّف في اختيارهم ، وقياسه من أقبح قول . وقوله : « فحكمها حكم أفعاله » يجيء بُعيد هذا ما فيه .
الدليل الثاني - ولا حاجة فيه إلى إبطال الشقّين الأوّلين من الدليل الأوّل - أن يُقال :
صدور الإيمان باختيار عن الكافر - مثلًا - ممكن « 4 » في نفسه ككفره ، وإذا كان كلّ منهما مفوّضاً إلى الكافر بحيث يقع منه إن شاء اللَّه ، وإن لم يشأ لم يكن بيده تعالى أزمّة الأمور ، ولم يكن تعالى مالكاً لما ملّك العباد إيّاه ، ولا قادراً على ما أقدرهم عليه ؛ أي ما دام التمليك والإقدار ، وهذا نقص في الملك والسلطنة ، ونقص الملك ممتنع عليه عقلًا ؛ لما مرّ في شرح عنوان « باب حدوث العالم وإثبات المحدث » من أنّ كلّ دليل يدلّ على إثبات الصانع يدلّ على أنّه كامل من جميع الجهات ، ولا نقص فيه أصلًا ، وبديهيّ أنّ
هامش
( 1 ) . السجدة ( 32 ) : 21 .
( 2 ) . الكشّاف ، ج 3 ، ص 245 .
( 3 ) . في « ج » : « إلى » .
( 4 ) . في « ج » : « يمكن » .