( وَقَالَ إِبْلِيسُ :
« رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي »
« 1 »
)
أي أشقيتني ، فإنّ الغاوي هو الشقيّ ، ولَيس فعل الشرّ من الشقيّ بالجبر وإن كان فيه وجوب لاحق . وفي رواية البرقي بعد هذا هكذا :
« ولا قالوا بقول نوح :
« وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
« 2 » » . « 3 »
( فَقُلْتُ : وَاللَّهِ ، مَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ ) أي بأنّه لم يبق طريق للَّهتعالى إلى إيمان الكافر إلّا الجبر . والمقصود أنّي لا اوافقهم في القول بالتفويض .
( وَلكِنِّي ) . استدراكٌ عمّا يفهم من نفي التفويض من القول بأنّ مشيئة اللَّه تتعلّق بالمعاصي .
( أَقُولُ : لَايَكُونُ ) أي شيء في الأرض ولا في السماء من أفعال العباد ونحوهم .
( إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ ) أي إلّابسبب أمر آخر شاءه اللَّه ، وهو أفضى إلى اختيار العبد المعصيةَ أو الطاعة بدون جبر . ومقصوده بإدخال الباء الجارّة في قوله : « بما شاء » أن يأتي بكلام يدلّ على نفي التفويض بدون أن يشتمل على أنّ مشيئته تعالى تتعلّق بالمعاصي .
والإنصاف أنّ هذا التدقيق من يونس تدقيق عجيب وإن كان مدفوعاً ؛ لغفلة يونس عن تدقيق فوق هذا التدقيق ، كما سيظهر في جوابه عليه السلام وإقرار يونس بالغفلة .
( وَأَرَادَ ، وَقَدَّرَ وَقَضى ، فَقَالَ : يَا يُونُسُ ، لَيْسَ هكَذَا ) أي ليس الحقّ الصريح هكذا .
وهذا متعارف في ردّ الكلام الذي ظاهره حقّ ، ومقصود المتكلّم به ضمّ أمر آخر غير حقّ إليه كما في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه لمّا قال بعض الخوارج ردّاً عليه في الرضا بالتحكيم : لا حكم إلّاللَّه ، قال عليه السلام : « كلمة حقّ أريد بها باطل » . « 4 »
هامش
( 1 ) . الحجر ( 15 ) : 39 .
( 2 ) . هود ( 11 ) : 34 .
( 3 ) . المحاسن ، ج 1 ، ص 244 ، 238 .
( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 82 ، ح 40 . وفيه « يريد » بدل « أريد » .