وللتفويض بهذا المعنى فردان هو القدر المشترك بينهما :
الأوّل : إقدار اللَّه تعالى العبدَ على فعل بحيث لا يكون في مقدوره تعالى من المقرّبات إلى الفعل أو إلى الترك ما لو فعله بالعبد لاختار غير ما اختاره من الفعل والترك ، فيلزمه أن يصدر عن العبد ما يختاره وإن شاء اللَّه أن لا يصدر . وقد بيّنّا في تحرير محلّ النزاع بيننا وبين المعتزلة معنى مشيئة اللَّه في أوّل الخامس والعشرين . « 1 »
وهذا مذهب المعتزلة ؛ لقولهم بوجوب كلّ لطف ناجع على اللَّه تعالى . « 2 »
ويلزم من ذلك أنّ العبد إن اختار العصيان كان عاصياً بغلبة على اللَّه ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، فإنّه لو كان في مقدوره تعالى لطف ناجع لفعل ؛ لأنّه لا يترك الواجب عليه مع قدرته عليه ، وعندهم أنّ كلّ لطف ناجع يجب عليه ، فلم يتحقّق العصيان إلّا لعدم قدرته على اللطف الناجع .
ويلزم من ذلك أيضاً أنّ العبد إن اختار الطاعة كان مطيعاً بإكراه ؛ بمعنى أنّه بحيث إن شاء اللَّه تعالى على فرض المحال تركَ الطاعة ، ربّما لم يقدر على صرفه عن اختياره الطاعة إلى اختياره تركها ؛ لعدم الفرق بين الإقدار على الطاعة ، والإقدار على العصيان بديهةً واتّفاقاً .
الثاني : إقدار اللَّه تعالى العبدَ في وقت على فعل في ثاني الوقت ، ويلزم من ذلك أن يكون العبد مستقلّاً في القدرة غير موقوف فعله على الإذن من اللَّه . وقد مضى أيضاً معنى الاستقلال ومعنى الإذن في أوّل الخامس والعشرين . « 3 » وهذا أيضاً مذهب المعتزلة حتّى أنّ أكثرهم يقولون : لا تبقى القدرة في وقت الفعل . « 4 »
هامش
( 1 ) . أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة .
( 2 ) . المغني في أبواب العدل والتوحيد ، ص 116 ؛ وحكاه عنهم الرازي في كتاب المحصّل ، ص 481 ؛ والعلّامة في معارج الفهم ، ص 422 .
( 3 ) . أي في الحديث 1 من باب في أنّه لا يكون شيء في الأرض ولا في السماء إلّابسبعة .
( 4 ) . شرح الأصول الخمسة ، ص 390 . وحكاه السيّد المرتضى في الذخيرة في علم الكلام ، ص 88 ؛ وشرح جمل العلم والعمل ، ص 97 ؛ والشيخ الطوسي في الاقتصاد ، ص 104 .