بالأولويّة الأولويّة على تقدير فرض المكافأة ، لا مطلقاً ؛ فلا ينافي ذلك وجوب الثواب عليه تعالى في قضيّة الكرم وإن يستحقّ المطيع الثواب عليها بهذا الاعتبار وإن لم يستحقّه عليها باعتبار المكافأة . وقد دلَّ البرهان ، على أنّه لا يصدر عنه تعالى ثواب ولا عقاب ولا فعل غير ذلك ولا ترك إلّابصفة الوجوب .
( وَأَنْتَ أَوْلى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي ) .
معنى الأولويّة هنا أنّ القبيح قد يتجاوز عنه لملاحظة ما يجبره من الحسنات السابقة أو اللاحقة الفارغة للجبر ، وقد يعاقب عليه لعدم مقارنته ما يجبره ، فيبقى على فاعله ، ولو بنى معاملته تعالى مع المسئ على المكافأة ، كان جعل سيّئة ممّا يبقى على فاعله أولى من جعله ممّا يتجاوز عنه ، سواء كانت السيّئة من المقرّبين ، أو من غيرهم ؛ لأنّ حسنات المقرّبين غير فارغة للجبر ؛ لأنّ اللَّه أولى بها من العبد كما مرّ آنفاً .
فالمراد بالأولويّة هنا أيضاً الأولويّة على تقدير فرض المكافأة ، فلا ينافي وجوب العفو عن بعض العُصاة في قضيّة الكرم ، ووجوب عقاب بعض العصاة ؛ لأنّ العفو عنه ظلم شديد
« وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » .
« 1 »
( وَذَاكَ ) . تعليلٌ للتعليل السابق .
( أَنَّنِي ) أي لأنّني . يجوز فيه حذف نون الوقاية - كما سبق - وذكرُها كما هنا .
( لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) أي لا أحاسب على معاملتي مع عبادي في التكليف والثواب والعقاب ، والعباد يحاسبون على معاملتهم معي في الخير والشرّ .
وهذا من الكناية ، والمقصود أنّي أكرم الأكرمين ، أترك من حقّي في معاملتي مع عبادي أكثر ممّا آخذ أضعافاً مضاعفة ، فلا يصلح لعبدي - سواءً كان مطيعاً أم عاصياً ، معذّباً أم معفوّاً عنه - أن يحاسبني بأن يطلب حقّه منّي على المكافأة ، فإنّ هذا لا ينفعه ويضرّه ؛ وذلك لأنّ حسنة العبد بعد ما أنعم اللَّه تعالى عليه بما لا يعدّ ولا يحصى ، فلو عمل تعالى مع المطيع بالمكافأة دون الكرم ، لذهب بجميع ما كدح له وجملة ما سعى
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 182 .