تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشافي في شرح الكافي — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
الإقرار بمدبّر للعالم ، محدثٍ لهذه الحوادث ، مثبتٍ لكلّ حادث منها في وقته دون سابقه ولاحقه ؛ فإنكارهم وجحدهم مع إقرار قلبهم به . وإمّا أنّهم معذّبون في الآخرة ، كقوله تعالى في سورة لقمان :
« ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ »
« 1 » . وإمّا إشارة إلى حلّ شبهتهم التي نقلناها ، فإنّ قولهم : « فلم يجز أن يحدث كائن البتّة » « 2 » مبنيّ على امتناع تخلّف المعلول عن العلّة التامّة ، وهو ممنوع بل باطل ؛ لأنّه يستلزم أن يكون المختارون مضطرّين في فعلهم ، فيلتزموا أنّهم أنفسهم مضطرّون ، وهو مكابَرة . ويحتمل أن يُراد بالقوم المسلمون ، أي لا مندوحة لهم عن الإقرار .

الدليل الثالث :

( يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ ، لِمَ السَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ ، وَالْأَرْضُ مَوْضُوعَةٌ ) . ذكر السماء والأرض على سبيل المثال . أو المراد بالسماء ما فوق الأرض ، فيشمل الهواء والماء وما فيهما ؛ يعني أنّ اختصاص كلّ جسم بمكان معيّن شخصاً كما في الأرض ، أو نوعاً كما في الكواكب المتحرّكة في مسير خاصّ دون مسير آخر ، وإلى جهة خاصّة دون أخرى لا يمكن إلّابأنّ مدبّراً خلقه في ذلك المكان دون باقي الأمكنة ، لأنّ الأمكنة متشابهة في تمام الماهيّة ؛ لاتّصال الفضاء الموهوم وعدم امتياز بعضه عن بعض إلّابالتمكّن ، ولا يمكن أن يميّز غير المختار بعض المكان عن بعض لكون الجسم فيه دون غيره . أمّا إذا كان غير المختار نفس الجسم ، أو جزءه ، أو عارضه الشريكين له في المكان فظاهر ؛ لبداهة افتراق الحادّ من المحدود ، مع ما ذكرنا من تشابه الأمكنة في تمام الماهيّة ، وأمّا إذا كان خارجاً ، فلتشابه الأمكنة فقط . إن قلت : يمكن أن يكون بعض الأمكنة دون بعض لازماً عقليّاً لجسم دون جسم ، فلا يحتاج كونه فيه إلى جعل جاعل ، كما أنّ للعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة ونحوها من صفات الذات أفراداً متشابهة في تمام الماهيّة ، وجملة من أفرادها لوازم
هامش
( 1 ) . لقمان ( 31 ) : 24 . ( 2 ) . تقدم في كلام ابن سينا .