وقد بيّن ذلك بحيث يندفع به إشكال يورد في المشهور على حدوث الإحداث ، وهو أنّه لو كان كذلك ، لكان أيضاً ممكناً حادثاً محتاجاً إلى إحداث آخر وهكذا ، ويلزم التسلسل .
وحاصل الدفع : أنّ إحداث الإحداث بنفس ذلك الإحداث لا بإحداثٍ آخَرَ ، وسرّه أنّ الصادر عن الفاعل حقيقةً هو المعلول ، وليس الإحداث صادراً عنه حقيقةً ، بل هو نفس المعلول لكن لا حقيقة ، بل بمعنى أنّ مصداقه نفس المعلول ، أي هو منتزع عن الفاعل في مرتبة صدور المعلول عنه تبعاً للداعي ، فإحداث المعلول حقيقةً منسوب إليه بالعرض .
وهذا الإشكال قويّ على أبي الحسين وأتباعه الذين تبعوا الفلاسفة في أنّ الإيجاد مقدّم بالذات على المعلول ، فإنّ الإحداث إذا استقلّ بمرتبة على حدة ، استحال تحقّقها بدون إحداثٍ آخَرَ يتعلّق به على حدة .
فجوابهم عن الإشكال بأنّ التأثير أمرٌ اعتباري لا حاجة له إلى تأثير ، إنّما يتمّ على ما بيّنّاه لا على مذهبهم .
والباء هنا مثلها في قولهم : ماهيّة الشيء ما به الشيء هو هو .
ولفظة « ثمّ » للتعجّب باعتبار أنّ كون إيجادٍ واحدٍ منسوباً إلى حادثين باعتبارين :
أحدهما نفسه ، والآخر غيره ، عجيبٌ .
واعلم أنّه يحتمل أن يكون المراد بالحديث دفع إشكال آخر هو للمعتزلة في قولنا :
ما شاء اللَّه كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فإنّهم يقولون : يستحيل أن يشاء اللَّه قبيحاً .
وحاصل الدفع : أنّ خلقه تعالى متعلّق بكلّ واقع من الأفعال والتروك ، لكنّه على قسمين :
الأوّل : خلقه لأفعال نفسه أو تروكه تعالى ، وهو بمشيئة متعلّقة بها أوّلًا وبالذات .
الثاني : خلقه لأفعال العباد أو تروكهم ، وهو بمشيئة متعلّقة بها ثانياً وبالعرض ؛ فمعنى مشيئة اللَّه لمعاصي العباد أنّه خلق أشياءً بمشيئة لها أوّلًا وبالذات ، وعلم أنّها يفضي إلى اختيار العباد المعاصي ، فهذه المشيئة بعينها تنسب إلى المعاصي بالعرض ؛ لا أنّ له تعالى مشيئةً على حدة منسوبةً على حدة إلى المعاصي .
الشافي في شرح الكافي — صفحة 226
مساهمون: المولى خليل القزويني
ص٢٢٦