يا هشام ، إنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى أكمَلَ للناس الحُجَجَ بالعقول ، ونَصَرَ النبيّين بالبيان ، ودَلَّهم على ربوبيّته بالأدلّةِ ، فقالَ :
« وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
شرح
السليمةِ عن معارضة الوهم والعادة .
وفي ذلك دلالة على أنّ الهداية تحصل بفعل اللَّه وقبول النفس لها ؛ فأحسِن تدبّره .
وقوله عليه السلام : ( أكمل للناس الحجج بالعقول ) أي أقام للناس الدلائل والبراهين القاطعة على المعارف الإلهيّة والعلوم الدينيّة بسبب وجود العقول الكاملة ؛ لأنّه لو لم تكن العقول الكاملة السليمة عن المعارضات الوهميّة والتسويلات الشيطانيّة والمناقضات الطبيعيّة ، لم يهتد أحد إلى الحقّ .
وقوله عليه السلام : ( ونصر النبيين بالبيان ) أي ببيان الحقّ وإظهاره وإثباته لكلّ طبقة على وفق رتبتهم وفهمهم على وجوه مختلفة بحيث لا يبقى في قلب أحد شكّ ولا ريب ، ولا ينكرهم إلّا بلسانهم لأجل أهوائهم ، ولولا ذلك لزم إقحام الأنبياء عليهم السلام .
وقوله عليه السلام : ( ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة ) أي دلّ العقلاء على خالقيّته وموجديّته لكلّ شيء بالأدلّة الإنّيّة ، فإنّ كلّ شيء في نظر اللبيب برهان واضح على وجود صانع العالم ، بل على وحدته وعلمه وقدرته وسائر صفاته أيضاً ، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة البقرة :« وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ »« 1 » أي المستحقّ لعبادتكم واحد حقيقي لا شريك له ، لا في استحقاق العبادة ، ولا في وجوب الوجود الذاتي ، ولا في صفاته ووحدته الحقيقيّة .
وقوله تعالى :« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »« 2 » استيناف لبيان الوحدة ، وتعميم ، بعد التخصيص ؛ إزاحةً لما يتوهّم من جواز أن يكون إله غيركم - أي المستحقّ لعبوديّة غيركم - متعدّداً ، فبيّنه بأنّه لا شيء من المستحقّ للعبادة مطلقاً - سواء كان لكم ولغيركم - غير ضروري العدم ، أي الممكن الوجود بالإمكان العامّ .
« إلّا هو » أي إلّااللَّه ، فمرجع ضمير « هو » اللَّه المستفاد من « إله واحد » وهو عَلَم للذات المستجمع لجميع صفات الكمال ، وليس ذلك إلّاواجب الوجود بالذات وهو واحد ،
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 163 .
( 2 ) . تتمّة الآية السابقة .