قال : فأطرَقَ مَلِيّاً ، ثمَّ قال : أشهد أن لا إله إلّااللَّه وحده لا شريكَ له ، وأنَّ محمّداً عبدُه ورسولُه وأنّك إمامٌ وحُجَّةٌ من اللَّه على خلقه ، وأنا تائبٌ ممّا كنتُ فيه .
شرح
أن ينتهي إلى مدبّر مجرّد واجب بالذات ؛ لاستحالة الدور والتسلسل ، أو لوجوه اخر قد مرّ تفصيلها ، هذا .
وقوله : ( فأطرق مَلِيّاً ) بفتح الميم وكسر اللام وتشديد الياء المثنّاة من تحت ، أي طويلًا من الزمان ليتفكّر في ما ذكر ، ويتعرّف الحقّ .
وإنّما أخذ عليه السلام يستدلّ من المحسوسات - التي لا يشكّ فيها ذو حاسّة - على المبدأ الأوّل في الكلام مع الزنادقة ، ولم يستعمل المقدّمات الكلّيّة البرهانيّة من غير التفات إلى المحسوسات ؛ لأنّهم ما كانوا يقبلون ما لا يدركون بحاسّتهم ، أو لا يكون من المتقرّرات في أذهانهم ، كما فيما رواه الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده عن عليّ بن منصور عن هشام بن الحكم أنّه دخل أبو شاكر الدَيَصاني على أبي عبد اللَّه عليه السلام ثمّ قال : ما الدليل على حدوث العالم ؟ فقال أبو عبد اللَّه : « نستدلّ عليه بأقرب الأشياء » وقال : وما هو ؟ قال : فدعا أبو عبداللَّه عليه السلام ببيضة فوضعها على راحته فقال : « هذا حصن ملموم داخله غِرْقِئٌ رقيق نظيف ، فيه « 1 » فضّة سائلة وذهبة مائعة ، ثمّ تنفلق عن مثل الطاووس ، أدخلها شيء ؟ » قال : لا ، قال :
« فهذا الدليل على حدوث العالم » .
قال : أخبرتَ فأوجزتَ ، وقلتَ فأحسنتَ ، وقد علمتُ أنّا لا نقبل إلّاما أدركناه بأبصارنا ، أو سمعناه بآذاننا ، أو شممناه بمناخرنا ، أو أذقناه بأفواهنا ، أو لمسناه بأكفّنا ، أو يصوّر في القلوب بياناً ، أو استنبطه بالروايات « 2 » إيقاناً .
قال أبو عبد اللَّه عليه السلام : « ذكرت الحواسّ الخمس وهي لا تنفع شيئاً بغير دليل ، كما لا يُقطع
هامش
( 1 ) . في المصدر : « لطيف به » . وفي الأمالي والإرشاد : « تطيف به » .
( 2 ) . في المصدر : « الرويات » . وفي بعضه نسخه : « الروايات » .