شرح
بالاستقلال يحتاج في وجوده إلى غيره ، وكلّ ما هو كذلك فهو معلول مصنوع لغيره كما مرّ ، وكلّ ما هو كذلك لا يكون مبدءً أوّلًا ؛ بل يكون مخلوقاً لمبدأ آخر ، هذا خلف ، ولا سبيل إلى الأوّل « 1 » ؛ لأنّ الوضعي الموجود بالاستقلال منقسم بالقوّة بأيّ نحو كان من أنحاء الانقسام إلى أجزاء مقداريّة لا إلى نهاية لها ، أو ينتهي إلى ما هو كذلك ؛ لاستحالة الجوهر الفرد ، وكلّ منقسم بالقوّة إلى أجزاء مقداريّة يكون له أجزاء متشاركة في المهيّة ، ومشاركة للكلّ فيها ، فيكون له مهيّة كلّيّة مشتركة بين أجزائه الفرضيّة المتباينة بالوضع ، وكلّ ما يكون له مهيّة كلّيّة مشتركة بينه وبين غيره يكون وجوده زائداً على ذاته ؛ لأنّ الكلّي مبهم ، والمبهم لا يوجد ما لم يتعيّن ولم يصر جزئياً حقيقياً ، فنفس الكلّي غير وجوده وتعيّنه وإن كان تعيّنه نحو وجوده الخاصّ به ، فحينئذٍ لم يكن ذاته من حيث هي مصداقاً للوجود والموجوديّة ، وكلّ ما هو كذلك لم يكن في نفسه وفي حدّ ذاته موجوداً ، بل يكون في مرتبة ذاته ونفسه خالياً عن الوجود ، محتاجاً إلى فاعل وجاعل يجعله موجوداً كما مرّ في بيان احتياج الممكن إلى المؤثّر ، وذلك الجاعل لا يمكن أن يكون نفسه ؛ لاستحالة تقدّم الشيء ، أو توقّفه على نفسه ، فيكون غيره ، ومعلول الغير لا يكون مبدءً أوّلًا ، بل يكون مخلوقاً ذا مبدء ، هذا خلف ، فمبدأ الأوّل لا يصحّ عليه الإحساس ، فثبت أنّ الربّ لا يكون محسوساً . وهذا إنّما يدلّ على عدم إحساسه تعالى بالحواسّ الظاهرة ، كما هو المتبادر من الإحساس ، وهو المطلوب هنا ، ولا يدلّ على عدم كونه موهوماً .
وثانيهما : أنّه قد ثبت بالبراهين السابقة أنّ الربّ واجب الوجود بالذات ، والواجب بالذات مجرّد عن المادّة وعلائقها ، بمعنى أنّه ليس بجسم ولا جسماني ، والمجرّد لا يمكن إحساسه بشيء من الحواسّ الظاهرة والباطنة ؛ لانحصار المحسوسات في الجزئيات المادّيّة ، سواء كانت صوراً جزئيّة أو معانَي « 2 » جزئيّة مادّيّة ، فالربّ لا يمكن إحساسه بشيء منها .
هامش
( 1 ) . في النسخة : « معانياً » .
( 2 ) . كذا .