شرح
نفس الأمر انفكاك الموجود عنه ، ولا شبهة في أنّه يمكن أيضاً تصوّر انفكاكه عنه ، فالتصوّر والمتصوّر كلاهما ممكن ، وهذه حال المهيّات الممكنة كما هو المشهور .
وأوسطها الموجود بالذات بوجود هو غيره ، أي الذي يقتضي ذاته وجوده اقتضاءً تامّاً يستحيل معه انفكاك الوجود عنه ، فهذا الموجود له ذات ووجود يغاير ذاته ، فيمتنع انفكاك الوجود عنه بالنظر إلى ذاته ، لكن يمكن تصوّر هذا الانفكاك ، فالمتصوّر محال ، والتصوّر ممكن ، وهذه حال الواجب الوجود على مذهب جمهور المتكلّمين .
وأعلاها الموجود بالذات بوجود هو عينه ، أي الذي وجوده عين ذاته ، فهذا الموجود ليس له وجود يغاير ذاته ، فلا يمكن تصوّر انفكاك الموجود عنه ، بل الانفكاك وتصوّره كلاهما محالان .
ولا يخفى على ذي مُسكة أن لا مرتبة في الموجوديّة أقوى من هذه المرتبة الثالثة التي هي حال الواجب تعالى عند جماعة ذوي بصائر ثاقبة وأنظار صائبة .
وإن أردت مزيد توضيح لما صوّرناه في المراتب الثلاث في الموجوديّة فاستوضح الحال فيما نورد في هذا المثال وهو أنّ مراتب المضيء في كونه مضيئاً ثلاث . . . « 1 »
الأولى المضيء بالغير ، أي الذي استفاد الضوء من غيره ، كوجه الأرض الذي استضاء بمقابلة الشمس ، فهنا مضيء وضوء يغايره وشئ ثالث أفاد الضوء .
الثانية المضيء بالذات بضوء هو غيره أي الذي يقتضي ذاته ضوء واقتضاء بحيث يمتنع تخلّفه عنه كجرم الشمس إذا فرض اقتضاؤه لضوئه ، فهذه « 2 » المضيء له ذات وضوء يغاير ذاته . الثالثة المضيء بالذات بضوء هو عينه ، كضوء الشمس مثلًا فإنّه
هامش
( 1 ) . كلمة لا تقرأ .
( 2 ) . كذا . لعلّ الأولى : « فهذا » .