شرح
لا يقال : لِمَ لا يجوز أن يكون كلّ جزء من أجزائه مصنوعاً لصانع آخر ، وصانع الكلّ يأخذ تلك الأجزاء ، وينظّمها ويربط بعضها ببعض ، بوجهٍ ينتفع بعضها من بعض كصانع البيت ؟
لأنّا نقول : تلك الأجزاء مخلوقة بالربط والتعلّق ، وبالجملة بوجه لا يحصل الانتفاع منها إلّابخلقها كأعضاء الإنسان ، لا أنّ الانتفاع يعرضها بعد الخلق كأجزاء البيت ، ولهذا يتأثّر بعضها عن بعض بخلاف أجزاء البيت ؛ فتأمّل . انتهى كلامه .
والثاني : أنّ صانع العالم - الذي قد نبّه عليه السلام على وجوده بهذه الأفعال - قديم لا محالة ؛ لأنّه لو كان حادثاً فيحتاج إلى صانع آخر ، والكلام في صانع الكلّ ، وأيضاً يلزم أن يكون من العالم فلا يكون صانعاً له ، وأيضاً قد أشار إليه بأنّه واجب الوجود بالذات كما مرّ بيانه ، وهو قديم بالضرورة . وأثر الموجب القديم لا يمكن أن يكون حادثاً ، سواء كان ذلك الحادث مستنداً إليه بلا واسطة أو بالواسطة ، وإلّا لزم تخلّف المعلول عن العلّة التامّة ، أو التسلسل ، سواء كان في الأمور المجتمعة في الوجود ، أو المتعاقبة . والحقّ أنّه بكلا القسمين محال كما بيّن في موضعه ، وسيجئ بيانه إن شاء اللَّه تعالى .
والقولُ بتوسّط القديم القادر المختار الممكن بين صانع العالم الموجب ، أو الواجب الموجب ، وبين الحوادث قولٌ بتفضيل المخلوق على الخالق ، وهو خلاف الضرورة ، مع أنّه لم يذهب ذاهب إليه .
والثالث : أنّ العالم بجميع أجزائه - كوجود المخاطب وسائر أحواله المذكورة - حادث كما ثبت في موضعه ، والواسطة غير معقولة ، فلا يمكن أن يكون صانعه القديم موجَباً . وهذا إنّما يتمّ في هذا المقام إذا كان المخاطب قائلًا بحدوث العالم .
والرابع : أنّ هذه أفعال مختلفة متقابلة ، وأثر الموجب لا يمكن أن يكون كذلك .
والخامس : أنّ هذه الأفعال أمور زائلة غير باقية أبداً ، وأثر الموجب القديم لا يمكن أن يكون كذلك ، وإلّا لزم تخلّف المعلول عن تمام علّته ، أو التسلسل ، أو التوسّط ، والكلّ