رجَع إلينا ابن أبي العوجاء قال : ويلك يا ابن المقفّع ، ما هذا ببَشَرٍ ، وإن كان في الدنيا روحانيٌّ يَتَجَسَّدُ إذا شاءَ ظاهراً ويَتَرَوَّحُ إذا شاء باطناً فهو هذا . فقال له : وكيف ذلك ؟ قال :
جلستُ إليه ، فلمّا لم يَبْقَ عنده غيري ابْتَدَأني فقال : « إن يَكن الأمرُ على ما يقول هؤلاء ، وهو على ما يقولونَ - يعني أهلَ الطواف - فقد سَلِموا وعَطِبْتم ، وإن يكن الأمرُ على ما تقولون - وليس كما تقولون - فقد استَوَيْتم وهُم » .
شرح
قال عطاء بن يسار : الويلُ : وادٍ في جهنّم ، لو ارسِلتْ فيها الجبالُ لماعَت « 1 » مِن حرّها « 2 » .
فقوله : « ويلك يا ابن المقفّع » أي ألزمك اللَّه ويلًا يا ابن المقفّع .
وقوله : ( ما هذا ببشر ) تعجّب من تفرّسه وإحاطته عليه السلام بأنواع الأدلّة .
و ( روحاني ) بضمّ الراء نسبة إلى الروح بمعنى الملك والجنّ .
وقوله : ( يتجسّد إذا شاء ظهر ) أي يصير ذا جسد وبدن يُبصر به ويُرى إذا شاء أن يظهر على الناس ( وَيَتَرَوَّحُ ) أي يصير روحاً صرفاً يبطن ويخفى عن الأبصار والعيون ( إذا شاء باطناً ) ، فقوله : « باطناً » مفعول به ل « شاء » كما قيل . ويحتمل أن يكون خبراً ليكون مقدّراً في الكلام ، أي إذا شاء أن يكون باطناً مخفيّاً عن الناس .
وقوله : ( إليه ) متعلّق ب « جلست » لتضمينه معنى توجّهت .
وقوله عليه السلام : ( إن يكن الأمرُ على ما يقول هؤلاء ) أي إن يكن الواقع على نحوٍ يقول هؤلاء من أنّ للعالم صانعاً مدبّراً إلهاً ، ولهم معاداً وثواباً وعقاباً ، وغير ذلك من الأمور الدينيّة .
وقوله عليه السلام : ( وهو على ما يقولون ) جملة حاليّة معترضة بين الشرط والجزاء ، أي والحال أنّ الأمر والواقع على ما يقولون .
وقوله : ( يعني أهل الطواف ) الظاهر أنّه كلام ابن أبي العوجاء وهو لتفسير هؤلاء ، و « عَطِبتم » على صيغة الفاعل من باب علم ، أي هلكتم .
وقوله عليه السلام : ( وإن يكن الأمر كما تقولون ) من نفي الصانع والإله والمعاد والثواب والعقاب وسائر الأحكام الدينيّة ( وليس الأمر كما تقولون ) جملة حاليّة معترضة بين الشرط والجزاء ،
هامش
( 1 ) . في هامش النسخة : ماع السمن ، أي ذاب ( ص ) [ الصحاح ، ج 3 ، ص 1287 ( ميع ) ] .
( 2 ) . الصحاح ، ج 3 ، ص 1846 ( ويل ) .