أقول : وهو الإذن ، ومشيّته تعالى كمشيّته يلزم القصد .
تقريره أنّ الحكماء وأهل الملّة قد اتّفقوا على أنّ إرادة اللَّه تعالى إذا تعلّقت بفعل من أفعال نفسه أوجبت المراد ، أمّا إذا يفعل غيره ففيه خلاف من قال من المعتزلة : إنّ الأمر هو الإرادة فإنّ الأمر لا يوجب المراد إتّفاقاً ، وأمّا إرادة أحدنا إذا تعلّقت بفعل من أفعال نفسه فإنّها توجب المراد ، ولا يتخلّف عنها عادةً وإن كانت مقارنة له .
ووافقهم في ذلك الجبائي وجماعة من متأخّري المعتزلة . وجوّز نظّام والعلاف وجعفر بن حرب وطائفة من قدماء معتزلة البصرة إيجابها للمراد إذا كانت تلك الإرادة قصداً إلى الفعل لا عزماً عليه ؛ لأنّ الإرادة إذا كانت عزماً على الفعل لم يُوجَب المراد .
واستدلّ على ذلك بأنّ العزم توطين النفس على أحد الأمرين بعد سابقة التردّد فيهما ، والعزم الذي هو هذا توطين النفس يقبل الشدّة والضعف ويقوى شيئاً فشيئاً حتّى يبلغ إلى درجة الجزم مقارناً للفعل ، فيكون متقدّماً عليه غير موجب له فيزول التردّد بالكلّيّة ومع ذلك فقد لا يكون العزم الواصل إلى مرتبة الجزم وربّما يزول ذلك الجزم « 1 » والجزم لزوال شرط أو وجود مانع ، فهؤلاء اتّبعوا إرادة متقدّمة على الفعل ، ولم يجوّزوا كونها موجبة ، وإرادة مقارنة له هي القصد ، وجوّزوا إيجابه إيّاه .
وأمّا الأشاعرة فلم يجعلوا العزم من قبيل الإرادة بل أمراً مغايراً لها « 2 » .
وعلى هذا القياس حال الكراهة .
فإذا تقرّر هذا فنقول : إنّ الاستطاعة هي القدرة الحادثة ، فلهذا غايت عيسى عليه السلام من هذه الجهة أيضاً الحواريّين حيث قالوا :
« هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ »
بقوله :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
« 3 » ولعلّ سؤال الحواريّين من
هامش
( 1 ) . كذا .
( 2 ) . المواقف ، ج 2 ، ص 104 ، من قوله : « أنّ الحكماء وأهل الملّة قد اتّفقوا على أنّ إرادة اللَّه تعالى » مع اختلاف يسير .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 12 .