والوصول إليها ، ولا شكّ أنّ من ادّعى علماً ولم يعلمه ، عُدّ سفيهاً مذموماً ، فالأكثر داخلون في هذه المذمّة ، فالحمد راجع إلى اللَّه ولمن آتاه من لدنه علماً .
قال :
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ »
. [ ص 15 ح 12 ]
أقول : أهل التفسير على أنّه لما بيّن اللَّه تعالى - فيما سبق من آيات التوحيد - للمشرك ولعدم انتفاعه بسوء استعداده ، أعرض عنه ، وخاطب المؤمن بقوله :
« يا عِبادِيَ
« 1 »
الَّذِينَ آمَنُوا »
« 2 » - مثلًا - إنّ السيّد إذا كان له عبدان أحدهما مطيع دون الآخر ، وبعد ما خاطبه ولم يسمع ، يعرض عنه ويلتفت إلى المطيع : بأنّ هذا لا يستحقّ الخطاب ، فاسمع أنت ، ولا تكن مثله ؛ فيتضمّن هذا الكلام نصيحة المصلح وزجر المفسد ، فإنّ قوله : « هذا لا يستحقّ الخطاب » يوجب نكابةً في قلبه .
ثمّ إذا ذكر مع المصلح في أثناء الكلام - والمفسد يسمعه - أنّ ذاك العبد مثلك أنّه يعلم قبح عقله ، ويعرف الفساد من الصلاح ، ويسلك سبيل الرشاد لم يعلم بصدور ، هذا نوع من البلاغة في الكلام .
قال :
« مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ »
. [ ص 15 ح 12 ]
أقول : الشكر ليس قولَ القائل : « الشكر للَّه » أو ما يجري مجراه ، بل عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعمه اللَّه عليه فيما خُلِق لأجله . وهذا مرتبة عظيمة يندرج فيها العلم باللَّه وصفاته وأفعاله ، وأنّ النعمَ والخيراتِ كلّها صادرة عنه ، ويندرج فيه العلم بالقيامة والنشأة الآخرة للنفس ورجوعها إليه تعالى ، ثمّ العمل بمقتضى العلم والمجاهدة مع الهوى الأمّارة بالسوء في طريق السير إليه وتهذيب الأخلاق والسيّئات الدنيّة ، وبالجمع بين العلم والعمل .
وهذا من المقامات العالية القليلة الوقوع في العباد كما قال :
« وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ
هامش
( 1 ) . وقد تقرأ في المخطوطة : « بارئ » .
( 2 ) . العنكبوت ( 29 ) : 56 .