وثانيهما : إجراء الآية على ظاهرها من دون إضمار .
أمّا الأوّل فعلى وجوه : الأوّل : - وهو قول أخفش والزجّاج وابن قتيبة - كأنّه قال :
ومثل الذين يدعون أهل الكفر إلى الحقّ كمثل الذي ينعق ، فصار الناعق مثل الداعي إلى الحقّ كالرسول وسائر الدعاة إلى الحقّ ، وصار الكفّار بمنزلة الغنم المنعوق بها ووجه التشبيه عدم فهمهم لما يسمعون كالبهيمة تسمع الصوت ولا تفهم معناه .
الثاني : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه لما لم يسمع ولا يفهم شيئاً من الكلام كالبهائم وما يجري مجراه ، والبهائم لا تفهم فشُبِّه الأصنام - لأنّها لا تفهم - بالبهائم ، فإذا كان من دعا بهيمة عدّ داعيها جاهلًا ، فمن دعا حجراً كان أولى بالذّم .
والفرق بين هذا القول وما قبله أنّ المحذوف هاهنا هو الدعوة وهناك الداعي .
وفيه أنّ قوله :
« إِلَّا دُعاءً وَنِداءً »
« 1 » لا يساعده ؛ لأنّ الأصنام لا تسمع شيئاً .
الثالث : مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتَم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل ، فإنّه لا يسمع إلّاصدى صوتِه ، فإنّه قال : يا زيد ! يُسمع من الصدى : يا زيد ! فكذلك هؤلاء الكفّار إذا دعوا هذه الأصنام والأوثان ، لا يسمعون منها ما تلفّظوا به من الدعاء والنداء .
تفسير الثاني فيه وجهان :
الأوّل : أن يقول : مثل الذين كفروا في قلّة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان كمثل الراعي إذا تكلّم مع البهائم ، فكما أنّه يقضى على ذلك الداعي بقلّة العقل فكذا هنا .
الثاني : مثل الذين كفروا في اتّباعهم آبائَهم ، وتقليدهم لهم - كمثل الراعي إذا تكلّم مع البهائم - عبث عديم الفائدة ، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة .
وأمّا قوله :
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ »
« 2 » فقيل فيه : إنّه تعالى لما شبّههم بالبهائم في عديم العقل ، زاد في تبكيتهم ، فقال :
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ »
لأنّهم صاروا بمنزلة الأصمّ في أنّ الذين سمعوه كأن لم يسمعوه ، وبمنزلة البُكْم في أن لا يستجيبوا لما دُعوا إليه ، وبمنزلة العُمْي من حيث إنّهم أعرضوا عن الدلائل ، فصاروا كأنّهم
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 171 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 171 .