ولكن مثل علي عليه السلام بين الصحابة هو الّذي يقدر ان يتقرب إليه تعالى باستعمال العقل في اقتناص العلوم التي ينال بها القرب من رب العالمين .
ونقول أيضا : القلب جار مجرى العين وغريزة العقل فيه جارية مجرى قوة البصر في العين ، وقوة الابصار لطيفة يفقد بالعمى يوجد في البصير وان كان قد غمض العين أو كان في ظلمة الليل والعلم الحاصل فيه جار مجرى قوة البصر ورؤيته لأعيان الأشياء ، وتأخر العلوم عن عين العقل في مدة الصبا إلى التميز أو البلوغ يضاهى تأخر الرؤية عن البصر إلى أوان اشراق الشمس وفيضان نورها على المبصرات .
والملك المسمى بالقلم الّذي يكتب اللّه به على صحائف القلوب يجرى مجرى قرص ، وانما لم يحصل في قلب الصبى قبل التميز لان لوح قلبه لم يتهيأ بعد لقبول نقش العلم وصورته ، والقلم عبارة عن جوهر قدسي نوراني هو سبب متوسط بين اللّه وبين الخلق في حصول العلم في قلوبهم ، كما أن القلم واسطة بين فاعل الكتابة وقابله كاللوح أو القرطاس في حصول النقوش الكتابية فيه .
وبالجملة نسبة نور العقل الّذي هو غريزة القلب إلى المعلومات الكلية كنسبة نور البصر وهو غريزة في العين إلى المبصرات أو الموازنة متحققة بين بصيرة الباطن وبصر الظاهر وقد سماه اللّه تعالى باسما الرؤية في قوله :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( الانعام - 75 ) ، ولم يرد به الرؤية الظاهرة ، وكذلك قال في حق النبي الخاتم صلى اللّه عليه وآله :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
( النجم - 11 ) ، سمى ادراك الفؤاد رؤية ، ولذلك سمى ضد الادراك عمى فقال :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( الحج - 46 ) .
ثم نقول : ان العلوم التي ليست ضرورية انما تحصل في القلب في بعض الأحوال ويختلف الحال في حصولها ، فتارة يهجم على القلب كأنما القى فيه من حيث لا يدرى وتارة يكتسب بطريق الاستدلال والتعلم ، فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الاستدلال يسمى الهاما والّذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا .