الشرح
لما كان هذا الباب متضمنا لمقصدين : أحدهما الحث على السؤال عما هو ضروري في امر الدين لكل مسلم ، وثانيهما مذاكرة العالم ، فالأحاديث الستة الماضية كانت في المقصد الأول وهذا الحديث والثلاثة البواقي في تذاكر العلوم المتعلقة بأمر المبدأ والمعاد وأصول الاعتقاد ، فالمعنى : ان تذاكر العالم علومه ومعارفه بين جماعة من عباد اللّه المستمعين لكلامه المستفيدين منه مما تحيى قلوبهم الميتة حياة أخرى .
وقد سبقت الإشارة مرارا إلى أن العلوم الحقيقية والمعارف الإلهية مما يتنور بها باطن الانسان وقلبه المعنوي ويحيى بها حياة عقلية يصعد بها إلى عالم القدس ويصير ذاته من جوهر الملائكة المقربين والعقول المقدسين ، وقوله : اذاهم انتهوا فيه إلى امرى ، يعنى ان مذاكرة العلوم انما توجب حياة القلوب الميتة إذا كانت مؤدية إلى المعارف الإلهية والعلوم الربانية من أحوال المبدأ وصفاته وافعاله وأحوال النبوة والمعاد .
ويحتمل ان يكون هذه التتمة من كلام النبي صلى اللّه عليه وآله ، اى بشرط ان العلوم التي تتذاكر بها مقتبسة من مشكاة خاتم الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليه وآله ، فان العقول البشرية بمجرد حركاتهم الفكرية قاصرة عن البلوغ إلى درك ما ينكشف في طور النبوة والولاية كعجز الحس والوهم عن البلوغ إلى درك ما ينكشف في طور العقل ، فان كثيرا من المعارف الايمانية التي شهدت بصحتها أعاظم الأولياء وأماثل الكبراء مما احالته جمهور العقلاء .
منها هذه المسألة التي نحن فيها من صيرورة الانسان جوهرا قدسيا وحيوانا عقليا بعد ما كان جوهرا نفسانيا وحيوانا بشريا حسيا ، فان أكثر الفلاسفة كابن سينا ومن في طبقته ينكرون هذه الحركة الجوهرية الواقعة في حدود الانسانية ومنازلها ومقاماتها ، ونحن بفضل اللّه الّذي يؤتيه من يشاء أوضحنا بيانه وأقمنا برهانه مستمدا من بحار القرآن وآيات الرحمن مستضيئا بأنوار التنزيل واسرار التأويل .