تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
فقد أشارت الآية إلى اوّل خلق الانسان وإلى آخره وإلى وسطه ، اما اوّل الانسان فهو انه لم يكن شيئا مذكورا وكان في كتم العدم دهورا ، واى شيء اخس من العدم سيما العدم المطلق للشئ الّذي ليس عنه خبر ولا منه ذكر ولا لامكانه محل ولا مادة حاملة لقوة مقابله اعني الوجود . وهكذا حال الانسان قبل وجوده وقبل وجود محل امكانه ومادة قوته واستعداده كالتراب والنطفة ونحوهما ، لان كلا منها حادث مثله وكان في العدم دهورا غير متناهية ثم خلقه اللّه من أذل الأشياء وأخسها واقذرها إذ خلقه من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم جعله عظما ثم كسا العظم لحما ، فقد كان هذا بداية وجوده ثم صار شيئا مذكورا ذا صورة محصلة ونوع مخصوص . وتلك السوابق كانت أمورا ناقصة الوجود ، واقعة في مراتب القوى والاستعدادات كاجزاء الحركات التي هي ما بين صرافة القوة ومحوضة الفعل ، فكان في بدايات كونه على اخس الأوصاف والنعوت ، إذ لم يخلق في ابتدائه جوهرا كاملا ، بل جمادا ناقصا أيضا في جماديته كالنطفة مثلا وما يتلوها ، فكان أولا جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يتحرك ولا ينطق ولا يمشى ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم ، فبدأ بموته قبل حياته ، وبضعفه قبل قوته ، وبامكانه قبل وجوده ، وبمادته قبل صورته وبجهله قبل علمه ، وعماه قبل بصره ، وصممه قبل سمعه وخرسه قبل نطقه . فهذا معنى قوله :
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
، وقوله :
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى حين الموت من الأعضاء والقوى والحواس الظاهرة التي عمدتاها السمع والبصر والباطنة كالوهم والخيال وهو أواسط حاله ، وكذلك قوله :
مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
( الدهر - 2 و 3 ) إشارة إلى أحوال وسطه ، انا هديناه السبيل ومعناه : انه أحياه بعد ان كان جمادا ميتا ترابا أولا ونطفة ثانيا وعلقة ثالثا وهكذا إلى أوان حلول الصورة ، فجعله سميعا بعد ما كان أصم وابصره بعد ما كان أعمى ، وقواه بعد الضعف