وعلمه بعد الجهل وخلق له الأعضاء والقوى والآلات بما فيها من عجائب الخلقة وبدائع الفطرة بعد الفقد لها وأغناه بعد الفقر وهداه بعد الضلالة .
فانظر كيف دبره وصوره وإلى السبيل كيف يسره وإلى نعم اللّه عليه كيف نقله ؟
فاللّه سبحانه نقله من تلك المذلة والقلة والخسة والقذارة إلى هذه الرفعة والكرامة ، ثم انظر إلى طغيان الانسان ما أكفره وإلى جهله بكيفية وجوده كيف أظهره اللّه فقال :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
( يس - 77 ) ، وانما أنعم وأكمل النعمة عليه وأعطاه هذه الأسباب والآلات ليعرف ربه بالعظمة والجلال ونفسه بالعبودية والافتقار وانه لا يليق الكبرياء الا به تعالى .
فمن كان هذا بدء وجوده وهذه أحوال نشأته الدنياوية فمن اين له البطر والكبرياء والفخر والخيلاء ؟ وهو على التحقيق اخس الأخساء وأضعف الضعفاء .
نعم ! لو اكمله وفوض إليه امره وادام له الوجود باختياره ، فجاز ان يطغى وينسى المبدأ والمنتهى ، ولكن سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطبائع المتضادة ، يهدم بعضه البعض شاء أم كره ، أراد أو سخط ، فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها لا يملك نفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فهو مضطر ذليل ، في جميع عمره عبد مملوك ، لا يقدر على شيء من نفسه وغيره ، واى شيء أذل منه لو عرف نفسه وانى يليق الكبر به لولا جهله . فهذا بيان أوسط أحواله فليتأمل .
واما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله :
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
، ومعناه : انه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وحركته فيعود جمادا كما كان أولا ، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الأول نطفة مذرة « 1 » ، ثم تبلى أعضاؤه وتنفتت اجزاؤه وتنخر عظامه فيصير رميما ورفاتا ، ويأكل الدود أعضاؤه فيصير روثا في أجواف الديدان ، وجيفة يهرب منه الحيوان ويستقذره كل انسان ويهرب منه لشدة الانتان .
هامش
( 1 ) المذر : الفاسد والخبيث - امرأة مذرة : قذرة .