تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
( البقرة - 269 ) . وعن ابن عباس : الحكيم الّذي كمل في حكمته ، والعليم الّذي كمل في علمه ، والحجج جمع الحجة وهي في اللغة أولا بمعنى القصد ، ومنه المحجة جادة الطريق ، ثم غلب على قصد الكعبة للنسك ، والحجة أيضا بمعنى الغلبة ، فحجه أي غلبه والمحجوج المغلوب فاستعمل بمعنى الدليل ، إذ به يحصل الغلبة على الخصم كما في قوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ
( البقرة - 258 ) وقوله :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
( الانعام - 83 ) ثم استعملت بمعنى الرسول والامام ، اما من باب المبالغة مثل : زيد عدل ، أو لان ذواتهم أدلاء إلى الحق فيكونون حججا على الخلق ، والمعنى : ان حكمته تعالى اقتضت اظهار الحجج على الخلائق ببعثة الأنبياء ونصب الأوصياء ليكمل الخلقة ويتم النعمة ، إذ بدون ذلك لا يتمشى النظام ويقع الهرج والمرج والانثلام والانهدام كما بين في موضعه . « اخترع الأشياء إنشاء وابتدعها ابتداء بقدرته وحكمته لا من شيء فيبطل الاختراع ، ولا لعلة فلا يصح الابتداع » الاختراع والابتداع لفظان متقاربان في المعنى ، وهو ايجاد الشيء لا عن أصل ولا على مثال ، ومن أسمائه تعالى : البديع ، وهو فعيل بمعنى المفعل ، كالاليم بمعنى المولم ، والبديع قد يجيء بمعنى المفعول أيضا ، والبديع هو الّذي يكون أولا في جنسه ومنه قوله تعالى :
ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
( الأحقاف - 9 ) اى لست بأول مرسل ، والمراد أنّه تعالى أو جد الأشياء بنفس قدرته لا عن مادة ، وبمحض حكمته لا لغرض ، إذ لو أوجدها بواسطة أصل وعنصر لا فتقر في فاعليته إلى سبب اخر منه الأصل ، فلم يكن مخترعا كاملا في صنعه ، ولو أوجدها لغرض وغاية أخرى غير ذاته لكان ناقصا في فاعليته ، فلم يكن مبتدعا ، لان الغرض وهو العلة الغائبة ما يجعل الفاعل فاعلا ، فالأول إشارة إلى نفى العلة المادية عن فعله والثاني إلى نفى العلة الغائية عنه . « خلق ما شاء كيف شاء » لما نفى الغاية عن فعله توهم انه ليس فاعلا بالاختيار ، فازاح ذلك بأنه : يفعل الأشياء كما شاء فيكون بمشيته ، اى بإرادته يفعل الخلق ، لكن مشيته كقدرته ليست غير ذاته ليلزم ان يكون لغيره تأثير في فعله ، فان من فعل فعله بإرادة زائدة على ذاته كان محتاجا في قدرته وارادته إلى مرجح زائد عليه يرجح أحد طرفي