وهو قبل الأشياء لافتقارها إليه اما بوسط أو بغير وسط ، لأنها ممكنة فينتهى سلسلة افتقارها إليه تعالى دفعا للدور والتسلسل ، وهذه القبلية قبلية بالذات لتعاليه عن الزمان ، فهو دائم الّذي به قوام الموجودات ، فهو القائم بذاته المقوم لغيره ، وهذا معنى القيوم ، « والقاهر الّذي لا يؤده حفظهما » « 1 » : لا يؤده أي لا يثقله ولا يشق عليه حفظ الأشياء ، يقال : اوده يؤده إذا اثقله وأجهده ، وأودت العود اودا إذا اعتمدت عليه حتى املته ، وفي ايراد صفة القهر هاهنا إشارة إلى الدليل على كونه مما لا يتعبه ولا يكله حفظ الأشياء ، لان ايجاده وادامته لها على سبيل الرشح والفيض لا على وجه الاستكمال والانفعال كما في غيره من الفاعلين ، إذ ما من فاعل غيره الا ويفعل لغرض زائد على ذاته ويستكمل في فاعليته بذلك الغرض الّذي يعود إليه وينفعل منه ، والانفعال يلزم التعب والكلال والانتقال من حال إلى حال .
« والقادر الّذي بعظمته تفرد بالملكوت وبقدرته توحد بالجبروت » : الملكوت من الملك بالكسر وهو كالمملكة في المعنى ، كما أن المملكة كالملك بالضم فيه ، وخص استعماله في المملكة الباطنة فتقابل الملك ، اى المملكة الظاهرة ، والجبروت أيضا فعلوت من الجبر وانه تعالى جبار لأنه يجبر نقائص الممكنات بإفاضة الخيرات عليها ، ويكسو العناصر صور المركبات فيجبر نقصانها ، وخص استعماله في عالم الإلهية ، وقيل : الجبروت فوق الملكوت كما أن الملكوت فوق الملك ، والمراد أنّه متفرد بمالكية الأشياء ظاهرها وباطنها ، لان الملك بالحقيقة هو الغنى مطلقا ، الّذي لا يستغنى عنه شيء من الأشياء الّذي له ذات كل شيء ، لأنها حصلت اما منه أو مما منه ، فكل شيء غيره فهو له مملوك ، وليس له إلى شيء فقر .
« وبحكمته اظهر حججه على خلقه » : الحكيم هو المحكم خلق الأشياء ، والاحكام هو اتقان التدبير وحسن التصوير والتقدير ، والحكيم أيضا الّذي لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب ، والّذي يضع الأشياء مواضعها ، والحكيم أيضا العالم لاشتقاقه من الحكم بمعنى التصديق ، أو من الحكمة ، والحكمة لغة العلم ومنه قوله تعالى :
هامش
( 1 ) حفظها ( الكافي ) .