وقوله عليه السلام : « لهم » سهو من النسّاخ ، والظاهر « له » كما أنّ قوله : « فيسيء وجوههم » على ما في النسخ المشهور من السهو أيضاً ؛ إذ ليس في كتب اللغة « ساء يسيء » بمعنى ساء يسوء ، اللّهمَّ إلّاأن يُؤخذ من باب الإفعال ويقصد حاصل المعنى . قال في القاموس :
« أساءه : أفسده » . « 1 »
وهذا - مع عدم خلوّه عن تكلّف - مخالف لاستعمال الآية التي الكلام فيها .
وفي الكشّاف :
الزلفة : القرب . وانتصابها على الحال أوالظرف ، أي رأوه ذا زلفة ، أو مكاناً ذا زلفة .
« سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا »
أي ساءت رؤية الوعد وجوههم بأن علّتها الكآبة ، وغشيها الكسوف والقترة وكلحوا ، كما يكون وجه من يُقاد إلى القتل ، أو يعرض على بعض العذاب « 2 » .
أقول : هذا التشبيه بناء على أنّ المرئيّ نار جهنّم ، والزلفة القرب المكاني لا الرتبي ، أي رأوا النار ذات قرب منهم ، وعلى ما قاله الإمام عليه السلام من أنّهم يرون أمير المؤمنين عليه السلام في أغبط الأماكن ، أي
« فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ »
« 3 » القرب الرتبي . ويشهد لقول الإمام تفسير عامّة أهل اللغة الزلفةَ بالقرب الرتبي واقتصارهم عليه . قال ابن فارس في المجمل : « الزلفة : الدرجة ، والمنزلة » « 4 » .
وفي المغرب : « الزلفة والزلفى : القربة » « 5 » .
وفي الصحاح : « الزلفة والزلفى : القربة ، والمنزلة » « 6 » .
وفي القاموس : « الزلف - محرّكةً - : القربة ، والدرجة » « 7 » .
فكان المناسب أن يشبّه بمن استخفّ فاضلًا واستهانه ، وأنكر فضله وكماله عند العوامّ ، ويدّعي مرتبته لكي يترأّس عليهم ، ويتأمّر على الفاضل تغلّباً وقهراً وتدليساً ومكراً ، ثمّ رآه بعين اليقين ، ووجده ذا زلفة ومكانة ومنزلة عند الملك القاهر الذي
هامش
( 1 ) . القاموس المحيط ، ج 1 ، ص 18 ( سوء ) .
( 2 ) . الكشّاف ، ج 4 ، ص 139 .
( 3 ) . القمر ( 54 ) : 55 .
( 4 ) . المجمل ، ج 2 ، ص 438 ( زلف ) .
( 5 ) . المغرب ، ص 209 ( زلف ) .
( 6 ) . الصحاح ، ج 4 ، ص 1370 ( زلف ) .
( 7 ) . القاموس المحيط ، ج 3 ، ص 148 ( زلف ) .