قال البيضاوي : « أي الحشر ، أو ما وعدوا به من الخسف والحاصب » « 1 » .
أقول : أو العلم بكيفيّة حال النذير الذي وعدهم اللَّه على وجه التخويف حيث قال :
« فَسَتَعْلَمُونَ »
وهذا أشدّ وعيد يخوّف به ، كما لا يخفى على من له درية بأساليب الكلام .
والأظهر أنّ الضمير المنصوب في « رأوه » راجع إلى هذا الموعود ، أي فلمّا رأوا بعين اليقين أنّ النذير ذا زلفة أي قربةٍ ومنزلةٍ عند اللَّه ، وعلموا كيف هو يوم الجزاء سيئت وجوههم ؛ لما علموا من أنفسهم ما فعلوا بالنسبة إليه في الدنيا من الاستخفاف وادّعاء الرئاسة في أهل مكّة والمدينة وقد خصّه اللَّه بها .
وعلى هذا في الآية تعريض للذين نصبوا أنفسهم للخلافة ، ودعوا الناس إليهم ، وإن كان وجه الكلام إلى مشركي قريش ومترئّسيهم الذين كانوا يدعون الناس إلى اتّباعهم ، ويصرفونهم عن متابعة النبيّ صلى الله عليه وآله ، ويدّعون الإمارة والحكومة ؛ فالمتوجّه إليهم الكلام ظاهراً والمعرّض لهم كلاهما داخلان في الحقيقة في خطاب « أأمنتم » وغيبة « فلمّا رأوه » والتخويف بمجيء يوم يرون فيه ما يسوء الوجوه على كليهما جميعاً ، غاية الأمر أنّه على أحدهما على وجه التنزيل ، وعلى الآخر على وجه التأويل .
وتخصيص الإمام غاصبي الخلافة ومنتحلي اسم أمير المؤمنين بالذكر لاستدعاء المقام بيان الفرد الخفيّ ، لا للحصر ، فلنبيّن ما يحتاج إلى البيان من أجزاء الحديث .
قوله : ( وأصحابُه الذين ) . [ ح 68 / 1155 ]
رفع على الابتداء ، وخبره جملة « يرون » .
والتعبير عن متغلّبي زمانه عليه السلام بأصحابه من باب قوله تعالى :
« قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ »
« 2 » في أنّ الصحبة تتحقّق بين المؤمن والكافر ، وبهذا الاعتبار قوله تعالى :
« إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) . أنوار التنزيل ، ج 5 ، ص 366 .
( 2 ) . الكهف ( 18 ) : 37 .
( 3 ) . التوبة ( 9 ) : 40 .