والوجه الآخَر أنّه يرى آثار العمد والتدبّر والحكمة والتقدير الدالّة على الصانع القدير فاشية في الآفاق والأنفس ، كما نبّه عليه في قوله تعالى :
« سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ »
« 1 » ، وكفى ما في قوله جلّ ثناؤه :
« وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ »
« 2 » من التقريع والتوبيخ على الذين غفلوا بل تغافلوا ، فتلك الآثار أوجبت علماً ضروريّاً - وإن كان على ضرب من الاستدلال ، كما هو الشأن في النتائج الفطريّة التي قياساتها معها - فلا يستطيع أحداً ادّعاء الشكّ إلّاعلى وجه الإلحاد والعنود ، وستسمع تمام الكلام في هذا الباب في كتاب التوحيد في شرح حديث : « اعرفوا اللَّه باللَّه » . « 3 »
هذا ؛ وإلى التذلّل التسخيري والعلم الضروري أشار أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث قال : « لم يُطْلِع العقولَ على تحديد صفته ، ولم يَحْجُبْها عن واجب معرفته ، فهو الذي تَشهَدُ له أعلامُ الوجود على إقرار قلب ذي الجُحود » . « 4 »
وقال اللَّه تبارك وتعالى :
« جَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ »
« 5 » ، وحديث توجّه القلب إلى اللَّه تعالى عند كسر السفينة وانقطاع الرّجاء عن الخلق بالكلّيّة من شواهد هذا الباب .
فظهر أنّ كلّ من استشمّ رائحة العقل عالم بأنّ في الوجود من بيده زمام أمره علماً اضطراريّاً ، ومتذلّل له تذلّلًا طبيعيّاً تسخيريّاً ، وإن غفل عن ذلك أحياناً ولم يشعر بعلمه وتذلّله ، فإنّما هو بسبب التوغّل في الملاهي ، وبلوغ نشأة الغفلة حدَّ التناهي .
هامش
( 1 ) . فصّلت ( 41 ) : 53 .
( 2 ) . الذاريات ( 51 ) : 21 .
( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 85 ، باب أنّه لا يعرف إلّا به ، ح 1 .
( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 87 ، الخطبة 49 .
( 5 ) . النمل ( 27 ) : 14 .