نعم ، هذا العلم في الأكثر مجامع جهلين :
أحدهما : الجهل بأسمائه الحسنى والصفات اللائقة به تعالى .
والثاني : الجهل بأنّه كما هو ربّه وإلهه فهو ربّ العالمين وإله الكلّ .
فمعلوم كلّ أحد من جهة الاضطرار المشار إليه بالإضافة في « إلهكم » هو أنّ في الوجود من هو وليّ أمره ، ومالك اختياره ، وله تذلّله التسخيري على وجه الاستحقاق ، وإن وقع لغيره فعلى سبيل الجعل والتكلّف ، ولكن يجوز بحسب جليل النظر أن يكون الموصوف بالوصف المذكور واحداً أو أكثرَ ، وتذلّل الكلّ لذلك الواحد ، أو كلّ متذلّل لبعض .
فقوله سبحانه في الآية :
« وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ »
بيان لما هو مقتضى دقيق النظر ، فكأنّه تعالى يقول : إنّكم - معاشرَ العباد - الذين عرّفتكم من طريق التذليل والتسخير وإراءة آثار الصنع والتدبير وجودَ إلهكم العزيز القدير ، أدقّوا النظر ، واستعملوا الفكر ، وانظروا بعين الاعتبار والاستبصار فيما انبّهكم عليه ممّا نصبت لكم من الأدلّة الواضحة والحجج القاطعة ، حتّى يتبيّن لكم أنّ إلهكم إلهٌ واحد ، لا نوع متعدّد الأفراد ؛ فإضافة الإله إلى المعرفة للإيذان بوقوع تعريفٍ إجمالي من طريق التسخير وإراءة آثار التدبير ، مع ما في تلك الإضافة من التكريم والتشريف والاستيناس ما لا يخفى .
وبعد الإضافة والإشارة إلى المعرّف المحتمل في جليل النظر للتعدّد ووصفه بالوحدة قال بلا فصل :
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
استينافاً لرفع ما عسى أحد أن يتوهّم أنّه لعلّ الضمير المضاف إليه الإلهُ عبارةٌ عن الإنس فقط ، وللجنّ والملك وغيرهما إلهٌ غير واحد ، فأتى ب « لا » التي لنفي الجنس الذي نفى الوجود عن جميع الأفراد المتوهّمة لمفهوم الإله .
ثمّ استثنى وعبّر عن المستثنى بالضمير الراجع إلى المعلوم المحكوم عليه من طريق الإضافة بأنّه إلهنا ، ومن طريق الوصف بأنّه واحد ليفيد القصر عليه ، ويرفع التوهّم المذكور ، فكأنّه قال : لا إله في الوجود إلّاالذي هو إلهكم ، ونفى تعدّده بوصف الوحدة .
وقوله تعالى في موضع آخَرَ :
« لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ »
« 1 »
*
أيضاً مفيد لما أفيد في هذه الآية بعينه
هامش
( 1 ) . الصافّات ( 37 ) : 35 ؛ محمّد ( 47 ) : 19 .