فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي عَزَمَ فِيهَا عَلَى السَّفَرِ وَالرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ طَرَقَتْهُ الْعِلَّةُ وَالفجعة وَجَاءَتْهُ السُّرْعَةَ وَحَوَادِثِ الزَّمَانِ فَأَصْبَحَ مُثَقَّلًا فارتحلت الْقَافِلَةُ وَبَقِيَ هَاشِمٍ وَحْدَهُ مَعَ عَبِيدِهِ وَغِلْمَانِهِ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ الْحَقُوا برفقتكم فَإِنِّي هَالِكٌ لَا مَحَالَةَ ارْجِعُوا إِلَى مَكَّةَ وَإِنْ مررتم بِيَثْرِبَ فأقرءوا زَوْجَتِي مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبَرُوهَا بِخَبَرَيْ وَعزوها بشخصي وَوصوها بِوُلْدِي فَهُوَ أَكْبَرُ هَمِّي وَلَوْلَاهُ مَا نِلْتَ أَمْرِي قَالَ فبكوا الْقَوْمِ بُكَاءً شَدِيداً وَقَالُوا مَا نبرح مِنْ عِنْدِكَ حَتَّى نَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنْ أَمَرَكَ ثُمَّ أَقَامُوا تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَّاحِ عَلَى هَاشِمٍ ترادف عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقَلَقِ فَقَالُوا لَهُ كَيْفَ تَجِدْ نَفْسِكَ فَقَالَ لَا مَقَامَ لَكُمْ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنْ يَوْمِي هَذَا وَغَداً توسدوني التُّرَابِ قَالَ فبكوا الْقَوْمِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ مُفَارِقٍ الدُّنْيَا وَلَمْ يَزَالُوا يساهرونه إِلَى الْفَجْرِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أقعدوني وَائْتُونِي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاسٍ ثُمَّ إِنَّهُمْ أَتَوْهُ بِمَا طَلَبِ وَجَعَلَ يُكْتَبُ وَأَصَابِعَهُ تَرْتَعِدُ وَهُوَ يَقُولُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ هَذَا كِتَابِ كَتَبَهُ عَبْدِ ذَلِيلٌ وَقَدْ جَاءَهُ أَمَرَ مَوْلَاهُ بِالرَّحِيلِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ كَتَبْتُ لَكُمْ هَذَا الْكِتَابِ وَرُوحِي مِنْ
الأنوار في مولد النبي محمد ( ص ) — Page 44
Contributors: أحمد بن عبد الله البكري
P.44