نظر إلى الماء كما هو فقال يا سبحان اللّه رجل يطلب العلم ولا يكون له ورد من الليل ، وكان رضي اللّه عنه يلبس الثياب النقية البياض ويتعهد شاربه وشعر رأسه وبدنه وكان مجلسه خاصا بالآخرة لا يذكر فيه شيء من أمر الدنيا وتعرت أمه من الثياب فجاءته زكاة فردها وقال العري خير من أوساخ الناس وإنها أيام قلائل ثم نرحل من هذه الدار وكان إذا جاع أخذ الكسرة اليابسة فنفضها من الغبار ثم صبّ عليها الماء في قصعة حتى تبتلّ ثم يأكلها بالملح وكانوا في بعض الأوقات يطبخون له في فخارة عدسا وشحما وكان أكثر إدامه الخل ، وكان إذا مشى في الطريق لا يمكن أحدا يمشي معه وكان يحيي الليل كله من منذ كان غلاما وكان من أصبر الناس على الوحدة لا يراه أحد إلا في المسجد أو جنازة أو عيادة وكان يكره المشي في الأسواق ، وكان ورده كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة فلما ضرب بالسياط ضعف بدنه فكان يصلي مائة وخمسين ركعة كل يوم وليلة ، وحج رضي اللّه عنه خمس حجات ثلاثة منها ماشيا وكان ينفق في كل حجة نحو عشرين درهما ولما قدم للسياط أيام المحنة أغاثه اللّه تعالى برجل يقال له أبو الهيثم العيار فوقف عنده وقال يا أحمد أنا فلان اللص ضربت ثمانية عشر ألف سوط لأقر فما أقررت وأنا أعرف أني على الباطل فاحذر أن تقلق وأنت على الحق من حرارة السوط فكان أحمد كلما أوجعه الضرب تذكر كلام اللص وكان بعد ذلك لم يزل يترحم عليه . ولما دخل أحمد رضي اللّه عنه على المتوكل قال المتوكل لأمه يا أماه قد نارت الدار بهذا الرجل ثم أتوا بثياب نفيسة فألبسوها له فبكى الإمام وقال سلمت منهم عمري كله حتى إذا دنا أجلي بليت بهم وبدنياهم ثم نزعها لما خرج وكان رضي اللّه عنه يواصل الصوم فيفطر كل ثلاثة أيام على تمر وسويق قال الفضيل بن عياض حبس الإمام أحمد رضي اللّه عنه ثمانية وعشرين شهرا وكان فيها يضرب كل قليل بالسياط إلى أن يغمى عليه وينخس بالسيف ثم يرمى على الأرض ويداس عليه ولم يزل كذلك إلى أن مات المعتصم وتولى بعده الواثق فاشتد الأمر على أحمد وقال لا أسكن في بلد ألحد فيه فأقام مختفيا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق وولي المتوكل فرفع المحنة عن أحمد وأمر بإحضاره وإكرامه
نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار ( ص ) — صفحة 466
مساهمون: مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي
ص٤٦٦