تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩

الفصل الثالث في ذكر معجزاته

أكبر معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم القرآن الّذي أعجز الإنس والجان ، وتحدّى به بلغاء العرب وفصحاءهم - الذين هم الرؤساء في قوانين المعاني والبيان ، والفرسان في ميادين الفصاحة والشجعان - عن معارضته على أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، وتنازل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله ، وفي السور ما هو ثلاث آيات ، فلم يأتوا بمثله ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ، ونكصوا على أعقابهم خائبين ؛ فغيرهم إن عارض أولى بالعجز والخذلان ؛ إذ محال سكوتهم ثلاثا وعشرين سنة « 1 » عن معارضة لو قدروا عليها ، خصوصا مع كونه صلّى اللّه عليه وسلّم ينادى عليهم بالعجز عن معارضته ، والقصور عن بلوغ الغرض من مناقضته ، ويوبخهم ويسبّ آلهتهم ، فلم يستطع أحد منهم أن يرفع رأسه ويناديه بجواب ، وإنما يزدادون تحسرا عن المعارضة ، ويعترفون لبعضهم في الافتراء في قولهم إن هذا إلا سحر يؤثر ، وسحر مستمر ، وأساطير الأولين ، ويعتذرون ظاهرا بقولهم :
قُلُوبُنا غُلْفٌ
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ
- ولمّا قالوا - لو نشاء لقلنا مثل هذا - ردّ الله عليهم بقوله :
وَلَنْ تَفْعَلُوا
فما فعلوا ، وما قدروا ، ولو قدروا علي أدنى معارضة لبادروا إليها ، وأفحموا الخصم الّذي كانوا محافظين على إطفاء نوره ، وإنما أعجز كلّ بليغ لجزالته وغرابة أسلوبه وبلاغته وانتهائه في الفصاحة إلى الطرف الأقصى ؛ فإنه لا أفصح ولا أوضح ولا أكمل ولا أجزل ولا أنسب ولا أعذب من ألفاظه ، ولا أسدّ ولا أشدّ التئاما وتشاكلا من نظمه ، وأمّا معانيه فكلّ ذي لبّ يشهد لها بالتقدم في أبواب البلاغة ، والترقّى إلى درجات الإتقان والبيان الواضح . وقيل : إعجازه هو كونه خارجا عن جنس كلام العرب ، من النظم والنثر
هامش
( 1 ) مدة رسالته صلّى الله عليه وسلّم حتّى وفاته .