قد انقضت معجزات الرسل منذ قضوا * نحبا وأفحم منه ذلك الجيل
ومعجزات رسول الله باقية * محفوظة ما لها في الدهر تحويل
تكفّل الله هذا الذّكر يحفظكم * فلن يضيع الّذي بالله مكفول
هذي المفاخر ، لا تحظي الملوك بها * الملك منقطع ، والوحي موصول
[ كيفية نزول القرآن ] :
وأنزل الله القرآن كله إلى السماء الدنيا جملة ، ثم فرّقه في ثلاث وعشرين سنة مدة الوحي ، بمكة ثلاث عشرة سنة ، وبالمدينة عشر سنين ، فكان جبريل ينزل بالسورة أو الآية لأمر يحدث ، ويخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بموضعها من القرآن ، وعلى هذا الترتيب كان صلّى اللّه عليه وسلّم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه ، وعرضه عليه في السنة التي توفى فيها مرتين . وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو الّذي وقع عليه ترتيب المصحف العثماني ، وأمّا ما وقع في غيره من مصاحف بعض الصحابة كمصحف ابن مسعود ، ومصحف أبيّ بن كعب من الترتيب والقراءات ، وزيادة بعض السور مما هو مخالف للمصحف العثماني ، فقد وقع ذلك أوّلا بتوقيف ، ثم نسخ ذلك بما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة وكتب في المصحف العثماني ، ولم يبلّغ النسخ من ذكر من الصحابة ، ولا ما استقرّ عليه الأمر ، فأبقوا مصاحفهم على ما كان عندهم .
فإن قيل : نزوله جملة إلى السماء هل كان قبل نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم أو بعدها ؟ أجيب بأنه جوّز أبو شامة الأمرين ، واستظهر هو الأوّل ، والجلال السيوطي الثاني ، قال :
والآثار صريح سياقها فيه ، وربما فهم من كلام بعض المتأخرين اختيار المعية ، فإن قيل : فما السر في نزوله منجّما ؟ وهلّا نزل كسائر الكتب جملة ؟ أجيب : هذا سؤال تولّى الله جوابه ، فقال تعالى :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
[ الفرقان : 32 ] يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل ، فأجابهم تعالى بقوله
كَذلِكَ
أي أنزلناه مفرقا
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ
[ الفرقان : 32 ] أي لنقوى به قلبك ؛ فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كل أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من