تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
المسلمين - لمّا رأى كثرة جيش المسلمين - : لن يغلب هؤلاء من قلة ، وفي ذلك نزل قوله تعالى :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
[ التوبة : 25 ] فلما التقوا انهزم المسلمون ، لا يلوى أحد على أحد ، وانحاز رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ذات اليمين في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته ، واستمر صلّى اللّه عليه وسلّم ثابتا ، وتراجع المسلمون « 1 » واقتتلوا قتالا شديدا ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لبغلته الدلدل « البدى البدي » فوضعت بطنها على الأرض ، وأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجه المشركين ، وقال : « شاهت الوجوه » ( أي خضعت وذلت ) فلم تبق عين إلا دخل فيها من ذاك التراب ، فكانت الهزيمة عليهم ، ونصر الله المسلمين ، وأنزل الله تعالى
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب » « 2 » وهذا يدل على كمال شجاعته وتمام صولته وقوته صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ إذ في هذا اليوم الشديد اختار ركوب البغلة التي ليس لها كرّ ولا فرّ ، كما يكون للفرس ، ومع ذلك توجّه نحو العدو واحده ، ولم يخف صفته ونسبه ، وما هذا كله إلا لوثوقه بالله وتوكله عليه ، وليس قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا النبي لا كذب » إلى آخره من الشعر ؛ لأن شرطه ، كما تقدّم في بناء المسجد الشريف ، أن يكون عن قصد ورويّة ، وإنما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : أنا ابن عبد المطلب ، ولم يقل أنا ابن عبد الله ؛ لأن العرب كانت تنسبه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جده عبد المطلب لشهرته ، ولموت عبد الله في حياته ، فليس من الافتخار بالآباء الّذي هو من عمل الجاهلية ، كما تقدّم في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا ابن العواتك » « 3 » . واستشهد من المسلمين أربعة ، وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا ، وأفضى المسلمون في القتال إلى الذرية ، فنهاهم عن ذلك ، ونادى مناديه : « من قتل قتيلا فله سلبه » « 4 » .
هامش
( 1 ) أي إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 2 ) متفق عليه ، ورواه الإمام أحمد ، والنسائي عن البراء . وللحديث روايات أخرى ، منها : « أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، أنا أعرب العرب ، ولدتني قريش ، ونشأت في بنى سعد بن بكر ، فأنّى يأتيني اللحن » رواه الطبراني عن أبي سعيد . ( 3 ) ولفظ الحديث كما رواه سعيد بن منصور الطبراني : « أنا ابن العواتك من سليم » . ( 4 ) وفي لفظ : « من قتل كافرا فله سلبه » متفق عليه ، ورواه أبو داود ، والترمذي عن قتادة ، وأحمد وأبو داود عن أنس ، وأحمد وابن ماجة عن سمرة .