تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
قبل وجهه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين » وقبل منهما إسلامهما ، فأنشده أبو سفيان معتذرا إليه بأبيات ، فضرب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم على صدره وقال : « أنت طردتني كلّ مطّرد » . وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه ؛ فقيل : إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم منذ أسلم حياء منه ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يحبه ويشهد له بالجنة ، ويقول : أرجو أن يكون خلفا من حمزة « 1 » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم لأبى سفيان بن الحارث حين جاء مسلما بعد أن كان عدوا له كثير الهجاء : « كلّ الصيد في جوف الفرا « 2 » » ( وهو بفتح الفاء حمار الوحش ، والمعنى أن حمار الوحش من أعظم ما يصاد ، وكل صيد دونه ، كما أنك من أعظم أهلي وأمسّهم رحما بي ، ومن أكرم من يأتيني وكلّ دونك ) وكان أبو سفيان يشبه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم من جملة من يشبهونه ، وهم ستة ، والباقي : جعفر بن أبي طالب ، والحسن بن علي ، وقثم بن العباس ، والسائب بن عبيد بن عبد الله بن نوفل بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف ، وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب . ثم أمر صلّى اللّه عليه وسلّم أن تركز راية سعد بن عباد بالحجون « 3 » لما بلغه أنه قال : « اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحلّ الكعبة » فقال : « كذب سعد ، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة » ، فمن هنا يعلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كما سعى في العمار الحسى سابقا ، سعى في العمار المعنوي لاحقا . ونعم ما قال سادة الأوّل : أوّل الفكر اخر العمل ، فالساعى في التعمير يستحيل أن يكون سببا في التدمير ، لا سيما البشير النذير ، أوليس أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان في بناء قريش للكعبة يشتغل في بنائها بنفسه معهم ،
هامش
( 1 ) وكان عليه الصلاة والسلام يقول فيه : « أبو سفيان بن الحارث خير أهلي » رواه الطبراني والحاكم عن أبي حبة البدري . وروى الحاكم وابن سعد عن عروة مرسلا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبو سفيان ابن الحارث سيد فتيان أهل الجنة » . ( 2 ) رواه الرامهرمزي في الأمثال عن نصر بن عاصم الليثي قال : « أذن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم لقريش وأخّر أبا سفيان ، ثم أذن له ، فقال - أي أبو سفيان - : ما كدت تأذن لي حتّى كانت تأذن لحجارة الجلهمتين ( بضم الجيم وسكون اللام وبضم الهاء : اسم مكان ) قبلي ؟ قال : وما أنت وذاك يا أبا سفيان ، إنما أنت كما قال الأوّل : « كلّ الصيد في جوف الفرا » . ورواه العسكري أيضا قريبا من هذا اللفظ ، والله تعالى أعلم . ( 3 ) مكان بأعلى مكة عند مقبرتها . وقال الأصمعي : الحجون هو الجبل المشرف الّذي بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين - قاله ياقوت الحموي - .