تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
رسول الله قحط المطر ، ويبس الشجر ، وهلكت المواشي ، وأسنت الناس « 1 » فاستسق لنا ربك . فخرج رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم والناس معه ، يمشى ويمشون بالسكينة والوقار ، حتى أتوا المصلى ، فتقدم وصلّى بهم ركعتين ، يجهر فيهما بالقراءة ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب و
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
[ سورة الأعلى ] وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب و
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ . . .
[ سورة الغاشية ] ، فلما قضى صلاته استقبل الناس بوجهه ، وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب ، ثم جثا على ركبتيه ، ورفع يديه ، وكبّر تكبيرة قبل أن يستسقى ، ثم قال : « اللهم اسقنا ، وأغثنا غيثا مغيثا ، وحياء ربيعا ، وجدا طبقا غدقا مغدقا ، عاما هنيئا مريئا ، مريعا مرتعا ، وابلا شاملا ، مسبلا مجللا ، دائما ودرا ، نافعا غير ضار ، عاجلا غير رائث ، غيثا اللهم تحيى به البلاد ، وتغيث به العباد ، وتجعله بلاغا صالحا للحاضر والباد ، اللهم أنزل في أرضنا زينتها ، وأنزل عليها سكينتها . اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا تحيى به بلدة ميتا ، واسقه مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا » . فما برحوا حتّى أقبل قزع « 2 » من السحاب ، فالتأم بعضه إلى بعض ، ثم أمطرت سبعة أيام بلياليهن ، لا تقلع عن المدينة ، فأتاه المسلمون وقالوا : يا رسول الله قد غرقت الأرض ، وتهدّمت البيوت ، وانقطعت السبل ، فادع الله تعالى أن يصرفها عنا . فضحك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو على المنبر حتّى بدت نواجذه ، تعجبا لسرعة ملالة بني آدم ، ثم رفع يديه ، ثم قال : « حوالينا ولا علينا ، اللهم على رؤوس الظراب ، ومنابت الشجر ، وبطون الأودية وظهور الآكام » ، فتصدعت عن المدينة حتّى كانت مثل ترس عليها ، كالفسطاط « 3 » تمطر مراعيها ، ولا تمطر فيها قطرة .
هامش
( 1 ) أسن بفتح السين : تغير ألوانهم مثل الماء الآسن المتغير اللون . ( 2 ) الفزع : بفتحتين - قطع رقيقة من السحاب . ( 3 ) الفسطاط : بيت من شعر .