تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
بالنزول ، فقالوا : ننزل علي غير ماء ! ووقع من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم نبع الماء في ذلك المكان حتّى صدر الناس عنه ، وتأهبت قريش للقتال ، وبعثوا رسولهم « عروة بن مسعود الثقفي » سيد أهل الطائف رضي الله عنه - فإنه أسلم بعد ذلك - إلي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال : إن قريشا لبسوا جلود النمور ( أي أظهروا العداوة والحقد ) وقد نزلوا بذي طوي « 1 » وعاهدوا الله ألا تدخل عليهم مكة عنوة أبدا » . ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يكلمه ، وهذه عادة العرب : أن الرجل يتناول لحية من يكلمه خصوصا عند الملاطفة ، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير ، لكن كأنه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما لم يمنعه من ذلك استمالة وتأليفا له ، وكان المغيرة بن شعبة قائما علي رأس رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه السيف ، وعليه المغفر ، وكلما أهوى عروة بيده إلي لحية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضرب يده بنصل السيف ، ويقول « كفّ يدك عن مس لحية رسول الله قبل ألا تصل إليك » فإنه لا ينبغي لمشرك ذلك ، وإنما فعل ذلك المغيرة رضي الله عنه إجلالا لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم ينظر لما هو عادة العرب ، فلما أكثر عليه غضب عروة ، وقال : « ويحك ما أفظّك وأغلظك » ، فتبسم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة . ثم قام عروة من عنده وهو يرى ما يصنع أصحابه : لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ، ولا سقط من شعره شيء إلا أخذوه ، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده ، ولا يحدّون النظر إليه تعظيما له ، فرجع عروة إلي قريش ، وقال لهم : إني جئت كسرى وقيصر في ملكهما ، فوالله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه . وورد أيضا في حديث الحديبية أنه لما نزل صلّى اللّه عليه وسلّم علي الركية « 2 » جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من أهل تهامة ، فقال : « تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل « 3 » وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت » .
هامش
( 1 ) ذو طوي : موضع عند مكة ( وقيل بالفتح ، وقيل بالكسر ، ومنهم من يضمها ) واد بمكة ، قيل : هو الأبطح « كذا في المراصد » . ( 2 ) الركية : البئر ، جمعها ركيّ ، وركايا . ( 3 ) العوذ : الحديثات النتاج من الظباء وكل أنثى . والمطافيل : جمع مطفل ، وهي ذات الطفل من الإنس والوحش وغيرهما .