تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
واسم أبى الصلت : عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفي - لما مرض مرضه الّذي مات فيه جعل يقول : « قد دنا أجلى وهذه المرضة منيتي ، وأنا أعلم أن الحنيفية حق ، ولكن الشك يداخلنى في محمد » . ولما دنت وفاته أغمي عليه قليلا حتّى ظن من حضره من أهله أنه قد قضي ، ثم أفاق وهو يقول : « لبيكما لبيكما ، ها أنا ذا لديكما ، لا برئ فأعتذر ، ولا قوى فأنتصر » . ثم إنه بقي يحدّث من حضره ساعة ، ثم أغمي عليه ثانيا ، حتى يئسوا من حياته ، وأفاق وهو يقول : لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما .
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا * وأيّ عبد لك لا ألمّا
ثم أقبل على القوم فقال : « قد جاء وقتي ، فكونوا في أهبتي » . وحدثهم قليلا حتى يئس القوم منه . وكان أمية يتعبد في الجاهلية ، ويؤمن بالبعث ، وأدرك الإسلام ولم يسلم ، وإنه لما غشي عليه وأفاق قال :
كلّ عيش وإن تطاول دهرا * صائر أمره إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي * في رؤوس الجبال أرعى الوعولا « 1 »
إنّ يوم الحساب يوم عظيم * شاب فيه الوليد يوما ثقيلا
اجعل الموت نصب عينك واحذر * غولة الدهر إنّ للدهر غولا
ثم قضى نحبه ، ولم يؤمن بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذكر عن سهل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما سمع قول أمية :
لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا * فلا شيء أعلى منك حمدا وأمجدا
قال : « آمن شعره وكفر قلبه » . وكفر قلبه : عدم إيمانه بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما سلف ذكره - من عدّه ممن آمن به صلّى اللّه عليه وسلّم « كقس بن ساعدة » فالقصد منه اعتقاد نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مبعثه ، لا الإذعان بعد المبعث ، حيث حمله على عدم الإيمان الحسد والحمية الجاهلية وغلبة الشقاء .
هامش
( 1 ) الوعل : تيس الجبل ، وهو جنس من المعز الجبلية له قرنان قويّان .
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 248 | الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى