وقد عمّر المسجد الشريف جماعة من ملوك الإسلام ، وقد احترق هذا المسجد في زمن الملك الأشرف قايتباى الظاهري ، فعمّره ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة ، وعمل فيه منبرا ، وسقّفه وذهّب سقفه .
ثم في سنة ست وثمانين وثمانمائة ، وقعت صاعقة بالليل علي منارة المسجد النبوي ، احترق منها سقوف المسجد الشريف النبوي ، وجميع ما فيه من المصاحف والكتب ، وغير ذلك ، ولم يبق سوي الجدران ، ووردت الأخبار بذلك إلي السلطان المذكور ، فجدّد عمارته ، فجاءت في غاية الحسن .
ولمّا تمت العمارة التي صرف عليها أكثر من مائة ألف دينار ، أرسل إلى المدينة المنورة خزانة كتب ، وجعل مقرها بمدرسته التي عمرها هناك ، وأرسل عدة مصاحف وأوقف عليها ما يلزم وقفه ، والمدرسة باقية عامرة ، علي يسار الداخل للحرم النبوي ، وينزل بها أمير الحاج المصري . وقد اعترض أهل الزيغ والشقاق ، ومن في قلبه مرض ونفاق بحلول هذه الحادثة بالحرم الشريف ، وإن لم يصب الحجرة الشريفة ما يخلّ بالمقام المنيف ، فكان الردّ على المنافقين ، وعصبة الضّلال الفاسقين ، بأنه ليس في هذا أدنى نقص في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنّ حرمه لم يزل عند الله تعالى ، وعند أهل الإيمان في أعلى درجات المقام الأعظم ، وإنما لمّا مال من مال من أهل طيبة عن سنته ، رماهم الله تعالى بهذا الأمر ، فتلقاها عنهم صلّى اللّه عليه وسلّم بمسجده ؛ لكمال رحمته بهم ورأفته .
قال الشريف السمهودي : وفي ذلك عبرة تامة ، وموعظة عامة ، أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها النذير الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه « 1 » فلما ساءت الأعمال المعروضة ، ناسب ذلك الإنذار بإظهار النار المجازى بها يوم القيامة والعرض ، قال الله تعالى :
وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً
[ الإسراء : 59 ] وقال تعالى :
ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ
[ الزمر :
16 ] . وقال الشاعر في هذا المعنى :
هامش
( 1 ) للحديث الصحيح : « حياتي خير لكم ؛ تحدثون ويحدث لكم ؛ ومماتي خير لكم ؛ تعرض عليّ أعمالكم ، فإن وجدت خيرا حمدت ، وإن وجدت شرا استغفرت لكم » رواه الحارث وابن سعد وغيرهما وهو حديث صحيح ثابت .