تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
معناه أنهم لا يكون لهم التخلّص من النار ، ولا دخول الجنة ، ويجوز أن يخفف عنهم من العذاب الّذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم ثمّ سوى الكفر ، بما عملوه من الخيرات . والّذي قاله القاضي عياض : [ انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ، ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب ، وإن كان بعضهم أشد عذابا من بعض . قال الحافظ : وهذا لا يردّ الاحتمال الّذي ذكره البيهقي ؛ فإن جميع ما ورد من ذلك فيما يتعلق بذنب الكفر ، وأمّا ذنب غير الكفر ، فما المانع من تخفيفه ؟ ] وقال القرطبي : [ هذا التخفيف خاصّ بهذا ، وبمن ورد النص فيه ] ، وقال ابن المنيّر : [ هما فضيلتان إحداهما محال ، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره ؛ لأن شرط الطاعة أن تقع بقصد صحيح ، وهذا مفقود من الكافر ، وإثبات ثواب على بعض الأعمال : تفضل من الله تعالى ، وهذا لا يحيله العقل ، فإذا تقرر ذلك لم يكن عتق أبى لهب لثويبة قربة معتبرة ، ويجوز أن يتفضل الله عليه بما شاء كما تفضل على أبى طالب ، والمتّبع في ذلك التوقيف نفيا وإثباتا قال الحافظ : فوقوع التفضيل المذكور إنما هو إكرام لمن وقع البرّ من الكافر لأجله ، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ] انتهي . قال ابن الجوزي : فإذا كان هذا حال أبى لهب الّذي مات على دين قومه ، ونزل القرآن بذمه : جوزي بعد موته جزاء بفرحه بمولد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فما حال المسلم المواحد من أمته يفرح ويسرّ بمولده صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلّى اللّه عليه وسلّم من الصدقات لعمري إنما يكون جزاؤه من المولى الكريم أن يدخله بفضله وكرمه جنات النعيم . ولله درّ حافظ الشام : شمس الدين محمد بن ناصر الدمشقي ، حيث قال :
إذا كان هذا كافرا جاء ذمّه * وتبّت يداه في الجحيم مخلّدا
أتي أنه في يوم الاثنين دائما * يخفّف عنه للسرور بأحمدا
فما الظنّ بالعبد الذي كان عمره * بأحمد مسرورا ؛ ومات موحّدا
مات أبو لهب بداء « العدسة » في مكة على دين قومه بعد بدر بسبعة أيام ، وكان قد بلغه خبر بدر ولم يشهدها . والعدسة : بثر كانت تخرج على الناس ، تزعم العرب أنها تعدي ، شبيهة بالطاعون .
نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 49 | الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى