تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
« لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا » « 1 » فلم يتخذ أبا بكر إلا حبيبا ، على أن المحبة في ذاتها أفضل من الخلة كما هو التحقيق ؛ لما أن الحبيب من يحب بلا امتحان ، والخليل من يمتحن ليحب ، ولأنه صلّى اللّه عليه وسلّم يوصف بالحبيب وإن كان خليلا ، وإبراهيم عليه السلام يوصف بالخلة وهو حبيب ، لصدق تعريف الحبيب عليه . ولأهل الإشارة « * » مشرب اخر حسن في مغايرة المحبة والخلة وتفضيل الأولى على الثانية ، حيث قالوا : إنما اتصل الخليل بواسطة :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الأنعام : 75 ] ، والحبيب بدونها :
فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
[ النجم : 9 ] وقد علمت أنه لا حاجة إلى ذلك لعموم المحبة ودخوله فيها ، وأن هذه الإشارة الصوفية مطمح النظر فيها سيدنا محمد وسيدنا إبراهيم عليهما الصلاة والسلام . وقد خص الله تعالى كلّ واحد من أنبيائه بكرامة ؛ فأكرم آدم عليه السلام بسجود الملائكة له
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
[ البقرة : 34 ] ، ونوحا عليه السلام بإجابة الدعوة :
لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] ، وموسى عليه السلام بالكلام :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النساء : 164 ] ، وإبراهيم عليه السلام بالخلة
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
[ النساء : 125 ] ، ونبيّنا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالصلاة عليه بالآية
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
[ الأحزاب : 56 ] . وقوله : « أنا سيد الأولين والآخرين » إخبار عمّا أكرمه الله به من الفضل والسؤدد ، وتحدّث بنعمة الله تعالى عليه ، وإعلام لأمته ، ليكون إيمانهم به على حسب موجبه ، ولذا أتبعه بقوله : « ولا فخر » والمعنى : هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله لم أنلها من قبل نفسي ولا بلغتها بقوّتي ، فليس لي أن أفتخر بها ،
هامش
( 1 ) ولفظ الحديث بتمامه : « إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة يوم القيامة تجاهين ، والعباس بيننا ؛ مؤمن بين خليلين ، رواه ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو . وروى الطبراني : « إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ، وإن خليلي أبو بكر » ، قال المناوي في شرح هذا الحديث في « فيض القدير » : وأما خبر : « لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، فقاله قبل العلم . ا ه . وبهذا يكون هذا الحديث ناسخا لما قبله ، والله أعلم . * المتصوفون .