الأسدي ، وهو نفسه شيعي ، هذا الكتاب ضد أغلبية إخوانه في الدين ، خصوصا وأنه كان بابا أو وكيلا للإمام . كيف يمكننا إزالة هذا التناقض ؟ كما كان الأمر مع ابن الجنيد في مسألة القياس ، كذلك وجد هنا أيضا كاتب ، جعل من نفسه مدافعا عن الأسدي . فالذي يبدو أن الأسدي لم يكن يدعو إلى فكرة الجبر ، وإنما ذكر خبرا روي على هذا المنوال ، ففي القرآن أيضا آيات تدعو ظاهريا إلى الجبر . ولعل الأسدي كان يؤمن بأن للبشر منزلة بين منزلتين الجبر والاختيار . ولو كان الأسدي قد آمن بالجبر ، فإنه ما كان ليصبح وكيلا ، لأن مثل هذا الاعتقاد يتناقض مع المذهب الشيعي أو كان الإمام قد اعترض على الأقل على الأسدي « 63 » .
نستنتج من هذه الفقرة أن الشيعة في زمن الغيبة الصغرى لم يكونوا يؤمنون لا بحرية الإرادة عند المعتزلة ولا بنقيض ذلك . هناك مأثور للإمام جعفر الصادق يقول فيه : « لا الاختيار ولا الجبر ، وإنما منزلة بين المنزلتين » « 64 » .
وإننا لنجد بين الشيعة ، رغم هذا الحديث ، من يؤمن بالجبر « 65 » .
ومن الصعب في هذه الحالة إصدار حكم ، إلا أن هناك شيئا واحدا يمكن التأكيد عليه ، وهو أن « الاختيار الوسط » قد أصبح عند الشيعة بعد انتهاء الغيبة الصغرى ، أي في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع للهجرة ، عقيدة ثابتة « 66 » . وهكذا يتم الاستغناء عن الدفاع المذكور عن الأسدي ( بوصفه شيعيا قويم العقيدة ) .
هامش
( 63 ) منهج المقال ، ص 288 .
( 64 ) الكافي ، ص 55 ، الشهرستاني ، ص 125 ومجمع البحرين ، ص 372 .
( 65 ) مثل هارون بن مسلم بن سعدان الكاتب ( ينظر منهج المقال ، ص 358 و 289 ؛ ثم ص 47 : توجد هنا انحرافات كثيرة في تعاليم أحمد بن نوح عن المذهب الشيعي . )
( 66 ) مختصر ترجمة التحفة الاثني عشرية ، ص 58 ومنهاج السنة ، ص 16 .