قال : فإن كان جبرئيل هبط إلى هذه الأرض لقد أنزل اللّه إليها خيرا عظيما ، هو الناموس الأكبر الذي أتى موسى وعيسى بالرسالة والوحي .
قالت : فأخبرني هل تجد فيما قرأت من التوراة والإنجيل أن اللّه يبعث نبيا في هذا الزمان يكون يتيما فيؤويه اللّه ، وفقيرا فيغنيه اللّه ، تكفّله امرأة من قريش . أكثرهم حسبا ؟
وذكرت كلاما آخر . فقال لها : نعته مثل نعتك يا خديجة .
قالت : فهل تجد غيرها ؟ قال : نعم ، إنه يمشي على الماء كما مشى عيسى بن مريم ، وتكلّمه الموتى كما كلّمت عيسى بن مريم ، وتسلّم عليها الحجارة وتشهد له الأشجار وأخبرها بنحو قول بحيراء .
ثم انصرفت عنه وأتت عداسا الراهب - وكان شيخا قد وقع حاجباه على عينيه من الكبر - فقالت : يا عداس ، أخبرني عن جبرئيل ما هو ؟ فقال : قدوس قدوس ، وخرّ ساجدا وقال : ما ذكر جبرئيل في بلدة لا يذكر اللّه فيها ولا يعبد . قالت : أخبرني عنه .
قال : لا واللّه لا أخبرك حتى تخبرني من أين عرفت اسم جبرئيل . قالت : لي عليك عهد اللّه وميثاقه بالكتمان . قال : نعم . قالت : أخبرني به محمد بن عبد اللّه ، أنه أتاه . قال عداس :
ذلك الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى بالوحي والرسالة ، واللّه لئن كان نزل جبرئيل على هذه الأرض لقد نزل إليها خير عظيم . ولكن يا خديجة ، إن الشيطان ربما عرض للعبد فأراه أمورا . فخذي كتابي هذا فانطلقي به إلى صاحبك ، فإن كان مجنونا سيذهب عنه ، وإن كان من أمر اللّه فلن يضرّه . ثم انطلقت بالكتاب معها .
فلما دخلت منزلها ، إذا هي برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع جبرئيل قاعد يقرؤه هذه الآيات :
« ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ . ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ . وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ . وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ . بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ »
« 1 » أي الضال أو المجنون .
فلما سمعت خديجة قراءته ، اهتزّت فرحا . ثم رآه صلّى اللّه عليه وآله عداس فقال : اكشف لي عن ظهرك . فكشف فإذا خاتم النبوة يلوح بين كتفيه . فلما نظر عداس إليه ، خرّ ساجدا
هامش
( 1 ) . سورة القلم : الآيات 1 - 6 .