تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء ( س ) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
في تلك البقعة أياما حتى فني الماء الذي كان معنا وأسقيناه جمالنا ولولا أن جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلفنا عطشا ، وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا أن نوقد نارا ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع إلينا . فمكثنا في تلك البقعة نحو خمسة أيام ووالدي يطلب النهر فلا يجده . وبعد الأياس ، عزم على الانصراف حذرا من التلف لفناء الزاد والماء والخدم الذين كانوا معنا ، فأحسوا في أنفسهم خيفة من الطلب ، فألحّوا على والدي بالخروج من الظلمات . فقمت يوما من الرحل لحاجتي فتباعدت من الرحل قدر رمية سهم ، فعثرت بنهر ماء أبيض اللون عذب لذيذ ؛ لا بالصغير من الأنهار ولا بالكبير ، يجري جريا ليّنا . فدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثا ، فوجدته عذبا باردا لذيذا . فبادرت مسرعا إلى الرحل فبشّرت الخدم بأني قد وجدت الماء . فحملوا ما كان معنا من القرب والأداوي لنملأها ولم أعلم أن والدي في طلب ذلك النهر وكان سروري بوجود الماء لما كنا فيه من عدم الماء ، وكان والدي ذلك الوقت غائبا من الرحل ، مشغولا بالطلب . فجهدنا وطفنا ساعة هويّة في طلب النهر ، فلم نهتد إليه حتى أن الخدم كذّبوني وقالوا لي لم تصدق . فلما انصرفت إلى الرحل وانصرف والدي ، أخبرته بالقصة فقال لي : يا بنيّ ! الذي أخرجني إلى ذلك المكان وتحمّل الخطر كان لذلك النهر ، ولم أرزق أنا وأنت رزقته وسوف يطول عمرك حتى تملّ الحياة . ورحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا وبلدنا ، وعاش والدي بعد ذلك سنيّات ثم مات رحمه اللّه . فلما بلغ سنّي قريبا من ثلاثين سنة - وكان قد اتصل بنا وفات النبي صلّى اللّه عليه وآله ووفات الخليفتين بعده - خرجت حاجّا ، فلحقت آخر أيام عثمان . فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى علي بن أبي طالب عليه السّلام . فأقمت معه أخدمه ، وشهدت معه وقائع ، وفي وقعة صفين أصابتني هذه الشجّة من دابّته .