قال : فدعا النبي صلّى اللّه عليه وآله عليّا عليه السّلام ، وقال : احمل هذه الصحفة إلى القوم . قال علي عليه السّلام : فأتيت لأحملها فلم أطق ، فاستعنت بأخي عقيل فلم نقدر ، فتكامل معي أربعون رجلا فلم نقدر عليها ، والنبي قائم على باب الحجرة ينظر إلينا ويتبسّم ، فلمّا رآنا ولا طاقة بنا عليها قال : تباعدوا عنها . فتباعدنا ، فطرح ذيل بردته على عاتقه ووضع كفّه تحت الصحفة وحملها ، وجعل يجري بها كما ينحدر سحاب في صبب .
ووضع الصحفة بين أيدي المنافقين وكشف الغطاء عنها ، والصحفة على حالها لم ينقص منها ولا وزن خردلة ببركته . فلمّا نظر المنافقون إلى ذلك قال بعضهم لبعض ، والأصاغر للأكابر : لا جزيتم عنّا خيرا ، أنتم صددتمونا عن الهدى بعد إذ جاءنا ، وتصدّونا عن دين محمد ، ولا بيان أوثق ممّا رأينا ، ولا شرع أوضح ممّا سمعنا . وأنكر الأكابر على الأصاغر ، فقالوا لهم : لا تعجبوا من هذا ، فإن هذا قليل من سحر محمد .
فلمّا سمع النبي صلّى اللّه عليه وآله مقالتهم حزن حزنا شديدا ، وقال : كلوا لا أشبع اللّه بطونكم . فكان الرجل منهم يلتقم اللقمة من الصحفة ويهوي بها إلى فيه ، فيلوكها لوكا شديدا يمينا وشمالا ، حتى إذا همّ ببلعها خرجت اللقمة من فيه كأنها حجر ، فلمّا طال ذلك عليهم فزعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقالوا : يا محمد ! فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : يا محمد ؟ ! فقالوا : يا أبا القاسم ! فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : يا أبا القاسم ؟ ! فقالوا : يا رسول اللّه ! فقال صلّى اللّه عليه وآله : لبّيكم . وكان صلّى اللّه عليه وآله إذا نودي باسمه : يا أحمد ! يا محمد ! أجاب بهما ، وإذا نودي بكنيته أجاب بها ، وإذا نودي بالرسالة والنبوة أجاب بالتلبية .
ثم قال صلّى اللّه عليه وآله : ما تريدون ؟ ! قالوا : يا محمد ! التوبة ، فما نعود إلى نفاقنا أبدا . فقام النبي صلّى اللّه عليه وآله على قدميه ورفع يديه إلى السماء وقال : اللهم إن كانوا صادقين فتب عليهم ، وإلّا فأرني فيهم آية لا تكون مسخا ، لأنه رحيم بأمته .
قال : فما أشبه ذلك اليوم إلّا بيوم القيامة ، كما قال اللّه تعالى :
« يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ »
« 1 » ، فأما من آمن بالنبي صلّى اللّه عليه وآله فصار وجهه كالشمس في إشراقها وكالقمر في
هامش
( 1 ) . سورة آل عمران : الآية 106 .