العظيم الذي كان لا يسجد للملك أبرهة كما تسجد سائر الفيلة أن يحضره بين يديه ، فلما نظر الفيل إلى وجه عبد المطلب ، برك كما يبرك البعير ، وخر ساجدا ، وأنطق اللّه تعالى الفيل ، فقال : السلام على النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب ، كذا في النطق المفهوم .
ولما دخل جيش أبرهة ومعهم الفيل لهدم الكعبة الشريفة برك الفيل ، فضربوه في رأسه ضربا شديدا ليقوم فأبى ، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام .
ثم أرسل اللّه عليهم طيرا أبابيل من البحر ، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار ، حجر في منقاره وحجران في رجليه كأمثال العدس ، لا تصيب أحدا منهم إلا أهلكته ، فخرجوا هاربين يتساقطون بكل طريق .
وأصيب أبرهة في جسده بداء ، فتساقطت أنامله أنملة أنملة ، وسال منه الصديد والقيح والدم ، وما مات حتى انصدع قلبه .
وإلى هذه القصة أشار سبحانه وتعالى بقوله لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
« 1 » السورة إلى آخرها .
فإن قلت : لم قال اللّه تعالى له - عليه الصلاة والسلام - :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ . .
« 2 » مع أن هذه القصة كانت قبل البعث بزمان طويل ؟
فالجواب أن المراد من الرؤية هنا : العلم والتذكرة ، وهو إشارة إلى أن الخبر به متواتر ، فكأن العلم الحاصل به ضروري مساو في القوة للرؤية .
وقد كانت هذه القصة دالة على شرف سيدنا محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وتأسيسا لنبوته وإرهاصا لها ، وإعزازا لقومه بما ظهر عليهم من الاعتناء حتى دانت لهم العرب ، واعتقدت شرفهم وفضلهم على سائر الناس ، بحماية اللّه عز وجل لهم ، ودفعه عنهم مكر أبرهة ، الذي لم يكن لسائر العرب بقتاله قدرة ، وكان ذلك كله إرهاصا لنبوته - عليه الصلاة والسلام - .
هامش
( 1 ) سورة الفيل : 1 - 5 .
( 2 ) سورة الفيل : 1 .