تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك ، وما أحسن قول ابن النقيب :
ودود القز إن نسجت حريرا * يجمل لبسه في كل شى
فإن العنكبوت أجل منها * بما نسجت على رأس النبيّ
وروى أنه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « اللهم أعم أبصارهم » « 1 » ، فعميت عن دخوله ، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار . وهذا يشير إليه قول صاحب البردة :
أقسمت بالقمر المنشق « 2 » إن له * من قلبه نسبة مبرورة القسم
وما حوى الغار من خير ومن كرم * وكل طرف من الكفار عنه عم
فالصدق في الغار والصديق لم ير ما * وهم يقولون ما بالغار من أرم
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على * خير البرية لم تنسج ولم تحم
وقاية اللّه أغنت عن مضاعفة * من الدروع وعن عال من الأطم
أي عموا عما في الغار مع خلق اللّه ذلك فيهم ، لأنهم ظنوا أن الحمام لا يحوم حوله - صلى اللّه عليه وسلم - وأن العنكبوت لا تنسج عليه لما جرت العادة أن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معمورا ، فمهما أحسا بالإنسان فرا منه ، وما علموا أن اللّه تعالى يسخر ما شاء من خلقه لمن شاء من عباده ، وأن وقاية عبده بما شاء تغنى عبده عن التحصن بمضاعفة من الدروع ، وعن التحصن بالعالي من الأطم ، وهي الحصون ، فللّه در الأبوصيري شاعرا ، وما أحسن قوله في قصيدته اللامية حيث قال :
وا غيرتا حين أضحى الغار وهو به * كمثل قلبي معمور ومأهول
كأنما المصطفى فيه وصاحبه ال * صديق ليثان قد آواهما غيل
وجلل الغار نسج العنكبوت على * وهن فيا حبذا نسج وتجليل
هامش
( 1 ) أخرجه ابن حجر في « تخريج أحاديث الكشاف » ( ص 76 ) . ( 2 ) الذي يقسم بالمخلوقات ، هو اللّه عز وجل ، أما نحن فلا يجوز لنا أن نقسم إلا به سبحانه ، أو بأحد أسمائه أو صفاته ، لحديث رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « لا تحلف إلا باللّه » الحديث .