تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية — صفحة مقدمة س

مساهمون:

صمقدمة س
من قوله : « لو كنت عنده لغسلت عن قدميه » وإنما يغسل عن قدميه ، من أجل : « يوحى إلى » إذ إن من اصطفاه اللّه لرسالته جدير بأن يكون أهلا لذلك . بيد أن هذه النهاية التي انتهى إليها هرقل ، إنما هي الشعار الدائم الذي لا ينتهى بانتقال الرسول إلى الملأ الأعلى ، فالرسول حي بيننا الآن برسالته وهديه وتعاليمه والغسل عن قدميه الآن أو بتعبير آخر احترامه : إنما هو باتباع هديه ، والتزام رسالته ، وتقديره تقديرا يتناسب مع اصطفاء اللّه له صلى اللّه عليه وسلم . ولقد ركز هرقل نوعا ما على الصدق والإخلاص ، والواقع أن صورة الصدق والإخلاص كان يراهما كل من عرف الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولم تعمه عصبية ، أو حسد أو هوى . على أن صورة الصدق والإخلاص : كانت سمة من السمات التي اتصف بها الرسول قبل بعثته ، وبعد بعثته - صلوات اللّه وسلامه عليه - ، لقد لازمته طيلة حياته ، لقد كان مجرد الخبر يلقيه - صلوات اللّه وسلامه عليه - ، يأخذه أعدى أعدائه على أنه واقع لا محالة . فهذا أمية بن خلف - عدو لدود - يتلاحى مع سعد بن معاذ رضى اللّه عنه ، يريد أن يمنعه من الطواف بالكعبة ، فيقول له سعد بن معاذ في حدة المناقشة : لقد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إنه قاتلك » ويضطرب قلب أمية بن خلف ويسأل في لهفة وضعف وتخاذل : أو قال ذلك حقّا ؟ فلما أكد له سعد بن معاذ الخبر أسقط في يده وقال : لئن كان قال ذلك ، لقد صدق ، وقتل أمية بن خلف يوم بدر . على أن هذه الصورة تتمثل في وضوح بيّن حينما أعلن رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - إلى قريش نبوته ، فقال لهم : « أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم تصدقوني ؟ » . لقد كانت إجابتهم عن هذا السؤال تعبر عن الحقيقة التي لمسوها فيه لقد قالوا : « نعم أنت عندنا غير متهم ، وما جربنا عليك كذبا قط » . وصورة أخرى ، صورة لم يرتب لها ترتيب مروى ولم يؤد إليها منطق محكم ، صورة لم تكن نتيجة عشرة طويلة ، ورفقة قريبة ، وإنما جاءت على البديهة ، وأوحت بها الملاحظة السليمة . إنها الصورة التي كونتها عنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - أم معبد الخزاعية ، وهي صورة لا تخص الجانب المعنوي منه وإنما تتصل على الأخص بالجانب الظاهر ، وأردنا أن نثبتها هنا لنثبت بها ( هيئة ) وظاهرا بعد أن أثبتنا زوايا من المعنويات ، وجوانب من التقدير والإجلال ، إن الصورة التي نثبتها الآن مجرد وصف ، إنها تعبير عن ملاحظة . هاجر رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - من مكة إلى المدينة يرافقه أبو بكر رضى اللّه عنه ، وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر ودليلهم عبد اللّه بن أريقط . مروا بخيمة أم معبد الخزاعية ، وكانت امرأة قوية الأخلاق عفيفة تقابل الرجال ، فتتحدث إليهم وتستضيفهم ، وسألها الركب عن تمر أو لحم يشترونه فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك ، فقد كانت سنة من السنين العجاف ، فقالت لهم :
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية — صفحة مقدمة س | أحمد بن محمد القسطلاني