من خضعت لك رقبته ، وفاضت لك عبرته ، وذلّ لك جسمه ، ورغم لك أنفه .
شرح
الاضطرار ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، حتى لو دخل الجنّة فهو محتاج إليه فيها ، غير أنّه غمس اضطراره في المنّة التي أفرغت عليه ملابسها ، وهذا هو حكم الحقائق : أن لا يختلف حكمها ؛ لا في الغيب ولا في الشهادة ، ولا في الدنيا ولا في الآخرة .
ومن اتّسعت أنواره لم يتوقّف اضطراره .
وقد عيّب اللّه قوما اضطروا إليه عند وجود أسباب ألجأتهم إلى الاضطرار ، فلمّا زالت زال اضطرارهم . ولمّا لم تقبل عقول العامة إلى ما تعطيه حقيقة وجودهم ؛ سلّط اللّه عليهم الأسباب المثيرة للاضطرار ؛ ليعرفوا قهر ربوبيّته ، وعظمة إلهيّته .
( من خضعت ) أصل الخضوع التطامن والميل ، والمراد هنا : الذّلّة ؛ أي :
من ذلّت ( لك ) أي : لأجلك ، أي : لأجل الخوف منك . ( رقبته ) ؛ أي :
ذاته ، وكذا الكلام في ذلك فيما يأتي للتعليل على تقدير الخوف منك .
( وفاضت ) : سالت ( لك ) أي : لأجل الخوف منك ( عبرته ) - بفتح العين المهملة وسكون الموحدة - : البكاء ؛ أي : سالت من شدّة بكائه لأجل الخوف منك دموعه . وفي « القاموس » : العبرة - بالفتح - : الدمعة قبل أن تفيض ، وتردّد البكاء في الصدر .
( وذلّ ) أي : انقاد ( لك ) أي : لأجلك ، أي : لأجل الخوف منك ( جسمه ) أي : جميع أركانه الظاهرة والباطنة .
( ورغم لك أنفه ) ؛ أي : التصق أنفه بالرغام ؛ أي : التراب ، والمراد لازم ذلك ؛ وهو الخضوع ، ورغم - بفتح الغين - قال في « المختار » : ورغم فلان - من باب قطع - رغما - بالحركات الثلاث في راء المصدر - إذا لم يقدر على الانتصاف .
انتهى .